مني السيد 2

جوزي نزل راسه ودموعه نزلت على طرف الترابيزة: – أنا مكسوف منك، ومكسوف من بناتي. أنا لما طلعتلك بالأكل يوم الحنة مكنتش حاسس بوجع قلبك، كنت فاكرها خناقة حريم عادية… بس لما شوفت اللي حصل الليلة، وشوفت الست دي وابنها، حسيت إن ربنا عاقبنا بالعدل.
– ربنا مش بيظلم يا أحمد. أخوك استغل فقر بنت الناس وتجوزها في السر، ولما ربنا كرمه وعمل قرشين داس عليها وراح يبيع نفسه لبنت المقاول، وأختك ساعدته على الشر عشان منظرتها وفشخرتها الكدابة وسط العائلات. بناتي
اللي باتوا واكلين مكرونة مسلوقة بمية وملح، ربنا عوضهم إنه حماهم من إنهم ياكلوا من لقمة جاية من مال حرام وظلم بين.
مرت الأيام تقيلة كأنها سنين على البيت ده. القسم حقق، والنيابة أمرت بحبس سلفي الصغير أربعة أيام على ذمة التحقيق، وصفاء أخدت إخلاء سبيل بكفالة عشرين ألف جنيه بعد بهدلة وبهدلة في الحبس تلات أيام، طلعت منها واحدة تانية خالص. شعرها شاب نصه، ووشها دبلان، وجسمها خاسس، ومبقتش قادرة ترفع عينها في وش بواب العمارة، ناهيك عن جيران الشارع.
المقاول مسبش حقه، جاب محامين كبار ورفع قضايا خيانة أمانة ونصب، وأجبر حمايا إنه يبيع حتة الأرض اللي حيلته في البلد عشان يسدد شيكات ابنه وميدخلش السجن لعشر سنين قدام. سلفي محمود طلق بنت المقاول رسمي قبل ما يلمسها، وبقى ملزم بنفقة ومؤخر وشقة لمراته الأولى وابنه اللي فضحه في القاعة، ورجع يشتغل في عيادة صغيرة باليومية، مكسور الجناح والكرامة، مفيش حد من صحابه ولا قرايبه بيبص في وشه.
أما صفاء، فحبست نفسها جوة شقة أبوها، مخرجتش منها شهور، الشباك بتاعها مبيفتحش، وبقى كل ما حد يخبط على الباب تترعش وتفتكر كلبش الشرطة اللي كان في إيدها.
وفي يوم جمعة، بعد شهرين من المصيبة دي كلها، كنت نازلة السلم أنا وبناتي، لابسين نضيف وخارجين نروح نزور أهلي ونتفسح. كنت معدية من قدام شقة حمايا، ولقيت الباب موارب.
صفاء كانت واقفة في الصالة، شافتني ووقفت مكانها. بصيتلها، لقيتها لابسة جلابية قديمة ووشها باهت، وبترتعش. خرجت خطوة لحد عتبة الباب، وبصتلي بصوت واطي كأنه طالع من بير: – أم البنات… وقفت وبصيتلها من غير غل ومن غير كبر: – نعم يا صفاء؟ عينيها دمعت، وبصت للبنات اللي كانوا ماسكين في إيدي، وقالت بصوت مكسور: – حقك عليا… أنا عارفة إني ظلمتك، واستخسرت اللقمة في عيالك، بس ربنا خدلك حقك مني تالت ومتلت، ده أنا بقيت بتمنى اللقمة تنزل زوري من كتر القرف اللي شوفته في الحبس والشارع. بصيتلها وقلت بهدوء تام: – أنا مسامحة عشان خاطر حمايا وعشان خاطر بناتي ميعيشوش وسط كراهية، بس ربنا يا صفاء مبيسبش حق حد غلبان. اللقمة اللي كنتي بتمنعيها عن عيالي وقولتيلي عليها “مينفعش عشان غيرك يبصلك”، دارت الأيام والشارع كله بقى يبصلك أنتي وأخوكي نظرة مش هتمحوها طول عمركم. اللي بيزرع شوك مبيحصدش قمح، والبيت اللي يتبني على أسرار وسخة وظلم، بيهد على دماغ أصحابه في ليلة الفرح قبل ما يتهنوا بيه.
سيبتها ومشيت، نزلت السلم وبناتي بيضحكوا جنبي وواكلين وشاربين ومبسوطين، والشارع كله نور وهوا نضيف. خرجت للدنيا وأنا رافعة راسي، متأكدة إن حق المظلوم مبيضيعش أبدًا، وإن دبيحة الفرح الكدابة مبقتش غير عبرة لكل واحد فاكر إن الفلوس والمظاهر ممكن تداري على الوساخة والظلم…





