حواديت توتا

بقالِي شهور بدفع فلوس لمدرسين خصوصيين ومستشارين ومتخصصين، عشان أحاول أرجع بنتي زي الأول.
من بعد وفاة أمها، سلمى بقت هادية بشكل يوجع القلب.
كنت مستعد أدفع أي مبلغ عشان أشوف نفس البنت الصغيرة اللي كانت زمان بتملأ البيت ضحك وأسئلة.
لكن مفيش حاجة نفعت.
ولا الفلوس…
ولا المدرسين…
ولا المتخصصين.
الغريب إن البنت دي، اللي ما كانش معاها غير شنطة قديمة وعصاية صغيرة، قدرت تعمل في دقايق حاجة أنا فشلت أعملها في شهور.
قربت منهم أكتر.
لكن ملك فجأة رفعت عينيها وشافتني.
ابتسامتها اختفت فورًا.
قامت بسرعة ومسكت شنطتها القديمة.
سلمى لفتت وشها ناحيتي.
بابا؟!
ملك رجعت خطوة لورا.
قلت لها بهدوء
متخافيش… أنا بابا سلمى.
بصتلي بخوف وقالت بسرعة
أنا والله ما كنت بزعجها.
رديت عليها
أنا ما قلتش إنك بتزعجيها.
فضلت باصة ناحية الشارع، كأنها مستعدة تجري في أي لحظة.
لكن سلمى مسكت إيدي فجأة وقالت
بابا استنى… ملك ساعدتني أحل المسألة اللي المدرس الخصوصي نفسه معرفش يشرحها لي!
بصيت لبنتي…
وبعدين بصيت لملك.
وسألتها
اسمك إيه؟
سكتت ثواني، وكأنها خايفة تقول.
لكن وقتها عيني وقعت على حاجة طالعة من الجيب الجانبي المقطوع في شنطتها.
ورقة متنية.
مديت إيدي وخدتها.
فتحتها…
وأول ما شفت اللي مكتوب عليها، جسمي كله اتجمد.
فوق الورقة كان موجود شعار مدرسة سلمى.
وتحت الشعار مباشرة…
كان فيه اسم أنا أعرفه كويس جدًا.
حسيت معدتي اتقبضت.
لأن ملك ما كانتش قاعدة قدام المدرسة بالصدفة…
كان فيه سبب.
وسبب خطير جدًا…
والاسم المكتوب على الورقة كان على وشك يفتح سر قديم، ويقلب حياة بنتي وحياتي كلها رأسًا على عقب.
الفصل الأول الورقة اللي قلبت كل حاجة
وقفت ماسك الورقة في إيدي، ومش قادر أصدق اللي عيني شايفاه.
كان عليها شعار مدرسة سلمى، وتحت الشعار اسم مكتوب بخط واضح
مريم الشناوي.
اسم مراتي.
اسم الست اللي ماتت من سنتين.
حسيت الدنيا كلها وقفت حواليا.
بصيت للورقة مرة تانية، يمكن أكون قريت غلط.
لكن لأ.
الاسم كان واضح.
مريم أحمد الشناوي.
رفعت عيني ناحية البنت.
ملك…
صوتي خرج أهدى مما كنت حاسس بيه جوايا.
إنتي جبتي الورقة دي منين؟
ملك ما ردتش.
بصت لسلمى.
سلمى بصتلي باستغراب.
في إيه يا بابا؟
قربت الورقة من عيني.
الورقة دي كانت معاكي؟
ملك هزت راسها ببطء.
أيوه.
مين اداها لك؟
سكتت.
اتنهدت.
ملك، أنا مش هزعقلك. بس لازم أعرف.
البنت فضلت ساكتة.
كانت خايفة بشكل واضح.
بصيت لسلمى.
سلمى، ممكن تروحي العربية دقيقة؟
سلمى رفضت فورًا.
لأ.
ليه؟
عشان ملك.
بصيت لها.
يعني إيه؟
مسكت إيدي وقالت
إنت لو مشيت، هي هتجري.
ملك بصت لها بدهشة.
سلمى كملت
هي بتخاف من الناس اللي بتسأل كتير.
بصيت لملك.
كان واضح إن سلمى عرفت عنها حاجات أكتر مني.
نزلت لمستواها وقعدت على الرصيف.
طيب يا ملك… أنا مش هسألك أسئلة كتير.
سكت شوية.
قوليلي بس… إنتي تعرفي مريم؟
وش ملك اتغير.
وبدون ما تتكلم، عينيها امتلوا دموع.
اتصدمت.
لأن دي كانت أول مرة أشوف حد يتأثر بمجرد سماع اسم مراتي بالشكل ده.
قلت
إنتي تعرفي مراتي؟
هزت راسها.
أيوه.
قلبي ضرب بسرعة.
إزاي؟
قالت بصوت ضعيف
كانت بتزورنا.
حسيت إني مش فاهم.
مين كان معاكم؟
قالت
أنا.
بس؟
سكتت.
وبعدين قالت
وأختي.
الكلمة دي خلتني أتجمد.
أختك؟
هزت راسها.
أيوه.
فين أختك؟
ملك بصت في الأرض.
مش عارفة.
اسمها إيه؟
رفعت عيني وقالت
نور.
نور.
الاسم ده ضرب في دماغي زي الصدمة.
أنا عمري ما سمعت مريم بتتكلم عن بنت اسمها نور.
ولا مرة.
ولا حتى بالصدفة.
وقفت.
مريم كانت بتزوركم فين؟
ملك أشارت ناحية شارع جانبي.
في مكان قديم.
فين؟
مش هنا.
بصيت للسواق وقلتله
خليك جنب سلمى.
وبعدين رجعت أبص لملك.
ممكن تيجي معانا؟
البنت رجعت لورا.
لأ.
مش هأذيكي.
أنا مش خايفة منك.
أمال؟
قالت وهي بتبص ناحية المدرسة
أنا خايفة من الناس اللي جوه.
اتجهت بنظري ناحية بوابة المدرسة.
المدرسة كانت من أرقى مدارس القاهرة.
مكان المفروض يكون آمن.
مكان كنت بدفع فيه مبلغ ضخم كل سنة عشان بنتي تتعلم وتعيش في بيئة محترمة.
فجأة بدأت أسأل نفسي
إيه علاقة المدرسة بمراتي؟
وليه اسمها موجود على ورقة مع بنت مشردة؟
وليه ملك خايفة من المدرسة؟
وقبل ما أسأل سؤال تاني، سمعنا صوت عربية بتقف قريب.
ملك اتوترت جدًا.
مسكت شنطتها وجريت.
سلمى صرخت
ملك!
جريت وراها.
لكنها دخلت شارع جانبي بسرعة.
كنت على وشك ألحقها، لولا إن سلمى مسكت إيدي.
بابا!
بصيت لها.
سيبها.
بس…
هي هترجع.
كنت واثق إن فيه حاجة أكبر من مجرد بنت مشردة.
رجعنا العربية.
طول الطريق سلمى كانت ساكتة.
وبعدين قالت
بابا.
نعم؟
ملك مش مشردة.
بصيت لها من المراية.
يعني إيه؟
قالت
هي قالتلي إنها كانت عايشة في بيت.
فين؟
مش عارفة.
وإنتي عرفتيها إمتى؟
سكتت.
سلمى.
قالت
من شهر تقريبًا.
اتصدمت.
من شهر؟
هزت راسها.
أيوه.
وإنتي ما قولتيليش؟
بصت في حضنها.
عشان كنت فاكرة إنك هتمنعني أكلمها.
سكت.
الكلام وجعني.
لأني عرفت إنها عندها حق.
أنا فعلًا كنت همنعها.
كنت هقول لها ما تقعديش مع ناس غريبة.
ما تكلميش حد في الشارع.
ما تعوديش جنب بوابة المدرسة مع بنت مش معروفة.
لكن في اللحظة دي…
بدأت أشك إن ملك مش مجرد بنت غريبة.
وصلنا البيت.
دخلت مع سلمى.
طلبت منها تدخل تغير هدومها.
وأنا طلعت مكتبي.
قفلت الباب.
حطيت الورقة قدامي.
واتصلت بمدير المدرسة.
أستاذ شريف، محتاج أشوفك حالًا.
قال
خير يا أستاذ أحمد؟
عندي سؤال واحد.
اتفضل.
إيه علاقة مريم الشناوي بالمدرسة؟
سكت.
الصمت كان أطول من اللازم.
قلت
أستاذ شريف؟
قال أخيرًا
حضرتك تقصد زوجتك؟
أيوه.
أنا معرفش.
إزاي معرفش؟
حضرتك زوجة حضرتك كانت بتتعامل مع الإدارة من سنتين.
يعني إيه؟
قال
كانت فيه زيارات.
اتجمدت.
زيارات لإيه؟
مش هقدر أتكلم في التليفون.
أنا جاي لك.
قفلت.
مسكت مفتاح عربيتي.
لكن قبل ما أخرج، الموبايل رن.
رقم مجهول.
رديت.
ألو؟
صوت راجل كبير قال
لو عايز تعرف الحقيقة عن مريم… ما تروحش المدرسة.
سكت.
مين معايا؟
دور على المكان اللي كانت بتروحله مريم كل يوم خميس.
إنت مين؟
واحد كان بيحاول يحميها.
من مين؟
الصوت سكت ثواني.
وبعدين قال
من نفس الناس اللي كانوا عايزين يخلوا بنتها تختفي.
وقفل.
فضلت ماسك الموبايل.
بنتها؟
أنا عندي بنت واحدة.
سلمى.
مراتي ماتت وهي بتوصيني عليها.
لكن لو فيه بنت تانية…
يبقى مريم كانت مخبية عني حياة كاملة.
نزلت بسرعة.
لقيت سلمى قاعدة في الصالة.
بابا؟
سلمى، ملك كانت بتقولك إيه عن مامتها؟
سلمى بصتلي.
مامتها؟
أيوه.
قالت
ملك قالتلي إن مامتها ماتت.
سألت
ووالدها؟
قالت إنه مش موجود.
وأختها نور؟
سلمى سكتت.
وبعدين قالت
ملك قالتلي إن نور كانت بتدرس في مدرستي.
قلبي وقع.
في مدرستك؟
هزت راسها.
أيوه.
قالتلك كانت في أنهي فصل؟
قالتلي إنها كانت أكبر منها.
وقفت.
إنتي متأكدة؟
أيوه.
سلمى قامت وقربت مني.
بابا… هو ليه كل ما أقولك على ملك بتخاف؟
ما قدرتش أرد.
لأن لأول مرة…
أنا نفسي بدأت أخاف.
مش على نفسي.
على بنتي.
وعلى الحقيقة اللي ممكن تكون مريم حاولت تخبيها عني قبل ما تموت.
وصلت المدرسة بعد أقل من نص ساعة.
مدير المدرسة، شريف، كان مستنيني في مكتبه.
أول ما دخلت، قفل الباب.
قال
أستاذ أحمد، قبل ما أقول أي حاجة، لازم تعرف إن مريم كانت بتطلب مننا السرية.
عن إيه؟
فتح درج مكتبه.
طلع ملف قديم.
وحطه قدامي.
الملف ده ما اتفتحش من سنتين.
فتحته.
أول ورقة كانت صورة لبنت صغيرة.
مش سلمى.
بنت تانية.
تحت الصورة
نور عبد الرحمن.
رفعت عيني.
مين دي؟
قال
طالبة كانت هنا.
وكانت بتدرس مع سلمى؟
لأ.
أمال؟
قال
كانت في برنامج دعم تعليمي خاص.
يعني إيه؟
المدرسة كان عندها برنامج سري لمساعدة الأطفال اللي ظروفهم صعبة.
ومريم؟
كانت من المتطوعين.
سكت.
وبعدين قال
بس الموضوع ما وقفش عند كده.
كمل.
شريف أخد نفس.
مريم اكتشفت إن فيه أطفال بيتسجلوا في البرنامج بأسماء مختلفة.
ليه؟
عشان يتاخدوا من أسرهم.
حسيت الدم وقف في عروقي.
مين كان بياخدهم؟
هز راسه.
مش عارف.
مريم كانت عارفة؟
كانت شكت.
وبعدين؟
فتح الملف على آخر صفحة.
كان فيها تقرير بخط مريم.
قرأت
لو حصل لي أي حاجة، دوروا على نور.
لمحة نيوز




