حواديت توتا

بنتك تعيش بأمان، تعالى لوحدك.
كريم قال
دي فخ.
قلت
عارف.
لكن كان فيه عنوان.
مخزن في مدينة نصر.
قلت
هروح.
كريم قال
مش لوحدك.
وصلنا المخزن.
دخلت أولًا.
المكان كان ضلمة.
سمعت صوت سامح.
كنت عارف إنك هتيجي.
ظهر من آخر المكان.
قلت
ليه؟
قال
ليه إيه؟
ليه عملت كل ده؟
ضحك.
عشان الفلوس.
قلت
مريم ماتت بسببك.
وشه اتغير.
مريم اختارت تدخل في حاجة أكبر منها.
كانت بتحمي أطفال.
أنا كنت ببني إمبراطورية.
على حسابهم؟
قال
الحياة كده.
قربت منه.
وأبويا؟
كان شريك.
وعمي؟
غبي.
نور؟
كانت ورقة.
وسلمى؟
ابتسم.
كانت آخر ورقة.
غضبي انفجر.
لكن كريم مسكني.
سامح قال
أنت ما كنتش فاهم حاجة يا أحمد.
إيه اللي ما كنتش فاهمه؟
قال
مريم كانت عندها نسخة من كل المستندات.
وأنا عرفت.
فحاولت أخلي موتها يبدو حادث.
سكت.
لكنها كانت أذكى مني.
عملت إيه؟
قال
سجلت كل حاجة.
بصيت له.
والتسجيلات؟
ضحك.
عندك.
عرفت إنه يقصد التسجيلات اللي كانت معانا.
لكن فجأة…
دخلت الشرطة.
سامح حاول يهرب.
لكن اتقبض عليه.
وانتهى كل شيء.
أو هكذا ظننا.
بعد القبض على سامح، بدأت النيابة تحقق في كل الملفات.
تم فتح قضايا قديمة.
اتكشفت أسماء كتير.
ناس اتورطت.
وناس بريئة ظهرت براءتها.
والأهم…
تم إثبات إن حادث مريم كان مدبرًا.
بعد سنتين من الألم…
عرفت أخيرًا إن مراتي ما سابتنيش.
هي حاربت لآخر لحظة.
وحمت سلمى.
وحمت نور.
وحمت ملك.
وحمت أطفال كتير ما كانتش تعرفهم حتى.
أما ملك…
فكانت أصعب حالة.
اكتشفنا إن اسمها الحقيقي مختلف.
وإنها كانت من الأطفال اللي فقدوا أهلهم بسبب نفس الشبكة.
لكن ملك كانت ذكية.
وكانت بتتعلم من الكتب اللي مريم كانت بتجيبها لها.
عشان كده كانت بتشرح لسلمى الحساب.
قلت لها
إنتي بتحبي الحساب ليه؟
ضحكت وقالت
عشان مريم قالتلي إن اللي بيعرف يحسب كويس، محدش يقدر يضحك عليه.
ابتسمت.
لأول مرة فهمت ليه مريم اختارتها.
ملك دخلت برنامج رعاية وتعليم رسمي.
وأنا تكفلت بكل تعليمها.
لكن رفضت إنها تعيش كأنها صدقة.
قلت لها
أنا مش هديكي فلوس.
بصتلي باستغراب.
قلت
هديكي فرصة.
إيه؟
تعلمي.
بدأت تدرس.
وبعد سنوات…
كانت من أوائل دفعتها.
أما نور…
فأخيرًا عرفت حقيقتها.
اتثبت نسبها.
ورجعت لها أوراقها.
وأخدناها تعيش معانا لفترة.
كانت بتشبه مريم بشكل غريب.
مش في الشكل بس.
في طريقتها وهي بتسكت لما تزعل.
وفي إنها تحب القهوة زيادة عن اللزوم.
وفي إنها تفتح الشبابيك الصبح حتى لو الجو برد.
كنت أحيانًا أبص لها وأحس إن مريم رجعت جزء من البيت.
لكن أكبر تغيير حصل…
كان في سلمى.
البنت اللي كانت بتضحك أقل من مرة في الأسبوع…
بقت بتضحك كل يوم.
وبقت تستنى ملك ونور عشان يحلوا مسائل الحساب سوا.
وفي يوم…
دخلت أوضتها.
لقيتها بتكتب.
بتعملي إيه؟
قالت
بكتب لماما.
قعدت جنبها.
هتكتبي إيه؟
قالت
هقولها إن بابا بطل يشتغل طول الوقت.
ضحكت.
أنا ما بطلتش.
قالت
بس بقيت بتتعشى معانا.
ابتسمت.
كانت محقة.
أنا فعلًا كنت فاكر إن النجاح يعني أرقام.
شركات.
استثمارات.
اجتماعات.
لكن مريم كانت عارفة الحقيقة.
البيت اللي مليان فلوس…
ممكن يكون فاضي.
والبيت اللي فيه ناس بتحب بعض…
ممكن يكون أغنى مكان في الدنيا.
بعد ست شهور…
قررنا نفتح مؤسسة باسم مريم.
مش مؤسسة كبيرة بالشكل التقليدي.
لكن مكان لتعليم الأطفال اللي ظروفهم صعبة.
أول يوم افتتاح…
وقفت قدام الباب.
كان مكتوب
مؤسسة مريم الشناوي للتعليم والرعاية.
ملك كانت واقفة جنبي.
نور على الناحية التانية.
وسلمى ماسكة إيدي.
قالت سلمى
بابا.
نعم؟
ماما كانت هتفرح.
بصيت للاسم.
وابتسمت.
أيوه.
بعدها رفعت عيني للسماء.
وقلت بصوت منخفض
سامحيني يا مريم.
لكن الحقيقة…
أنا ما كنتش محتاج أطلب السماح.
لأن كل اللي عملته مريم…
كان عشان أنا وبنتها نكمل.
بعد سنة تقريبًا…
كنت راجع من الشغل.
السواق قال
يا فندم، المدرسة اتصلت.
قلت
في حاجة؟
قال
بيقولوا سلمى طلبت منك تيجي بدري.
ضحكت.
ليه؟
ما قالوش.
روحت.
لقيت سلمى واقفة عند البوابة.
لكن المرة دي…
ما كانتش لوحدها.
كانت قاعدة على الرصيف.
جنبها ملك.
وبيحلوا حساب.
لكن كان فيه طفل صغير قاعد معاهم.
سألت
مين ده؟
سلمى قالت
ده آدم.
صاحبكم؟
ملك ضحكت.
كان واقف لوحده.
بصيت للطفل.
كان ماسك عصاية صغيرة.
سلمى قالت
كنا بنعلمه الحساب.
ابتسمت.
وفجأة…
سمعت سلمى تضحك.
نفس الضحكة اللي سمعتها أول مرة.
الضحكة اللي خلتني أنزل من العربية.
لكن المرة دي كانت أعلى.
وأجمل.
وقفت أتفرج عليها.
وفهمت أخيرًا إن اليوم اللي لقيت فيه بنتي قاعدة على الرصيف…
ما كانش اليوم اللي اكتشفت فيه سر مريم.
كان اليوم اللي اكتشفت فيه بنتي نفسها من جديد.
اكتشفت إنها رغم حزنها…
لسه قادرة تحب.
ولسه قادرة تساعد.
ولسه قادرة تضحك.
ومريم…
رغم إنها مش موجودة…
إلا إنها كانت سايبة أثرها في كل طفل ساعدته.
وفي كل مرة سلمى تضحك.
وفي كل مرة ملك تمسك قلم.
وفي كل مرة نور تحكي عن أختها.
وفي كل مرة طفل يلاقي فرصة يتعلم بدل ما يضيع.
أما أنا…
فبطلت أعيش بالدقيقة والساعة.
بطلت أتعامل مع الحياة كأنها جدول لازم أسيطر عليه.
بقيت أرجع البيت بدري.
أقعد مع سلمى.
أسمع حكاياتها.
وأحيانًا نطلع نتمشى من غير ميعاد.
وفي ليلة، سألتني
بابا؟
نعم؟
لو ماما كانت عايشة… كانت هتبقى مبسوطة؟
بصيت لها.
وقلت
أكتر واحدة.
من إيه؟
منك.
ابتسمت.
وحطت رأسها على كتفي.
وبعد شوية قالت
وأنا كمان مبسوطة.
ليه؟
قالت
عشان رجعت تضحك.
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
لأني اكتشفت إن طول السنتين اللي فاتوا…
كنت فاكر إني بحمي سلمى من الحزن.
لكن الحقيقة…
أنا كنت بحبس نفسي جواه.
ولما مريم اختفت من حياتنا…
كنت بحاول أعيش مكانها.
لكن محدش يقدر يعوض حد.
كل اللي نقدر نعمله…
إننا نحمل الخير اللي سابه ورا ضهره.
وده اللي عملته مريم.
سابتلي سلمى.
وسابتلي نور.
وسابتلي ملك.
وسابتلي رسالة واحدة ما فهمتهاش غير متأخر
ما تحاولش ترجع الماضي… خلّي اللي فقدته يبقى سبب إنك تنقذ مستقبل حد تاني.
ومن يومها…
كل ما أشوف طفل قاعد على الرصيف ومعاه كراسة…
ما بعديش من جنبه.
بنزل.
بسأل.
وبساعد.
مش عشان أنا رجل أعمال.
ولا عشان عندي فلوس.
لكن عشان بقيت فاهم إن أحيانًا…
أغلى حاجة ممكن تديها لإنسان مش فلوس.
أحيانًا تكون فرصة.
وفرصة واحدة…
ممكن تغير عمر كامل.
أما سر مريم…
فأخيرًا اتقفل.
مش لأنها كانت جريمة وانتهت.
لكن لأنها تحولت لحياة جديدة.
نور بقت مهندسة.
ملك بقت مدرسة رياضيات.
وسلمى كبرت وهي عارفة إن أمها ما ماتتش وهي مستسلمة.
ماتت وهي بتحاول تنقذ ناس.
وأنا؟
فضلت أحمد.
لكن مش نفس أحمد.
بقيت أب قبل ما أكون رجل أعمال.
وبقيت أعرف إن البيت مش جدران.
البيت هو المكان اللي بنتك تضحك فيه من قلبها.
وعشان كده…
كل يوم لما سلمى تضحك…
ببص للسما.
وأقول
سمعتيها يا مريم؟
وأكمل طريقي.
لأني عارف…
إن في مكان ما…
هي أكيد بتضحك معانا.
النهاية.





