روايه كامله

مكاني…
لوحدي.
أبويا لسه مدفون من كام ساعة.
ومرات أبويا قررت تتخلص مني في نفس اليوم.
مشيت بالساعات.
الشمس كانت فوق دماغي، ورجلي بدأت توجعني، وبقيت عطشان لدرجة إني كنت بحس إن حلقي بيتقطع.
لحد ما أخيرًا شفت كام بيت من بعيد.
وصلت لأول بيت وخبطت.
محدش فتح.
خبطت على بيت تاني.
برضه محدش رد.
لحد ما ست في حدود الخمسين فتحتلي الباب.
كانت لابسة إسدال بسيط، وشعرها مربوط، وملامحها باين عليها التعب… بس عينيها كانوا طيبين.
بصتلي باستغراب وقالت
إنت لوحدك يا حبيبي؟
حاولت أتكلم…
بس صوتي طلع ضعيف ومكسور.
أنا… أنا دفنت أبويا النهارده.
سكتُّ لحظة، وبعدين قلت
ومرات أبويا سابتني في الطريق ومشيت.
وشها اتغير فورًا.
فتحت الباب أكتر وقالت
ادخل يا ابني.
دخلت.
اسمها كان الحاجة فاطمة، وكانت مدرسة في المدرسة الابتدائي اللي في البلد.
جابتلي كباية مية، وبعدها حطت قدامي أكل بسيط فول، وعيش، وبيضة.
وأنا باكل، حكتلها كل اللي حصل.
لما خلصت، طلعت الورقة من جيبي.
أبويا قالي أكلم الراجل ده لو حصل له حاجة.
خدت الورقة وبصت للرقم.
جربنا نتصل.
مرة.
مفيش رد.
جربنا تاني بالليل.
برضه مفيش.
قبل ما أنام، سألتها وأنا خايف
طب لو الراجل ده كمان مش عايزني؟
بصتلي شوية، وقالت
يبقى بكرة نشوف هنعمل إيه.
وبعدين غطتني بالبطانية وقالت
إنما الليلة دي؟ إنت مش هتنام في الشارع.
تاني يوم الصبح، اتصلنا بالرقم تاني.
المرة دي…
حد رد.
صوت راجل.
الحاجة فاطمة شرحت له مين أنا، وقالت له اسمي.
أول ما قالت
ياسين، ابن محمود.
سكت الراجل على الناحية التانية.
سكت فترة طويلة لدرجة إننا افتكرنا الخط فصل.
وبعدين سأل بصوت متوتر
ياسين؟ ابن محمود؟
أيوه.
الحاجة فاطمة حكتله كل اللي حصل.
حكتله عن الدفنة…
وعن نجلاء…
وعن إنها سابتني في الطريق.
لكن أول ما قالت له إن نجلاء بتقول إن كل التركة بقت ملكها، صوته اتغير تمامًا.
قال
قالت إن كل التركة بقت بتاعتها؟
الحاجة فاطمة ردت
أيوه.
سكت لحظة، وبعدها قال
يبقى عملت بالظبط اللي أخويا كان خايف يحصل.
أنا قربت من التليفون أكتر.
أخويا؟!
حسام كان أخو أبويا.
وأول مرة في حياتي أعرف إن لأبويا أخ…
وأول مرة أفهم إن أبويا، قبل ما يموت، كان عارف إن في حاجة وحشة ممكن تحصل.
بس اللي مكنتش أعرفه…
إن نجلاء ما كانتش بس عايزة تتخلص مني.
دي كانت عاملة حسابها على كل حاجة.
والرقم اللي أبويا سابهولي…
كان أول خيط في السر اللي ممكن يغيّر حياتي كلها.
شريف كان لسه واقف قدامي، لكن أول ما شاف العربية برا، وشه اتغير.
ياسين، خد الظرف والصورة وحطهم في شنطتك.
قلت بسرعة
ليه؟ هو مين الراجل اللي مع نجلاء؟
قال
مش وقت الأسئلة.
الحاجة فاطمة قربت من الباب وقالت بخوف
بس العربية واقفة من بدري.
شريف بص لها وقال
لازم نخرج من الباب الخلفي.
الباب الخلفي بيطلع على الأرض الزراعية.
أفضل من إننا نخرج من هنا.
مسكت شنطتي بسرعة.
وقبل ما نتحرك، سمعنا خبطتين على الباب.
دق… دق…
اتجمدنا كلنا.
وبعد ثواني، جه صوت نجلاء
يا ياسين!
قلبي وقع.
أنا عارفة إنك جوه.
الحاجة فاطمة بصت لشريف.
شريف حط صباعه على بوقه، إشارة إني ما أتكلمش.
نجلاء خبطت تاني.
ياسين، اطلع. أنا جاية آخدك.
لأول مرة، صوتها ما كانش بارد.
كان فيه خوف.
وده خلاني أتوتر أكتر.
شريف قرب من الشباك وبص بحذر.
في راجلين نازلين من العربية.
الحاجة فاطمة همست
يا ساتر…
وفجأة سمعنا صوت الراجل اللي كان واقف مع نجلاء
لو الولد هنا، لازم يخرج فورًا.
نجلاء ردت عليه
أنا متأكدة إنه هنا.
شريف شدني من إيدي.
دلوقتي.
خرجنا من الباب الخلفي، وجرينا وسط الأرض الزراعية.
كنت بجري وأنا مش فاهم ليه كل الناس دي بتدور عليّا.
وأنا طفل عندي عشر سنين.
إيه اللي ممكن أكون عملته؟
بعد دقائق، وصلنا لطريق صغير خلف البيوت.
شريف وقف ياخد نفسه وقال
اركب.
كانت عربية قديمة مستخبية تحت شجرة.
ركبت في الكنبة الخلفية، وشريف اتحرك بسرعة.
بعد ما بعدنا عن البلد، سألته
عمي حسام فين؟
قال
في القاهرة.
طب ليه ما جاش؟
سكت.
إنت بتخبي عليا حاجة؟
بصلي من المراية.
أبوك ما كانش سايبك لوحدك يا ياسين.
يعني إيه؟
قبل وفاته بشهر، عمل حساب باسمه ليك.
حساب إيه؟
مش فلوس.
سكت لحظة.
مستندات.
حسيت إن وداني بدأت ترن.
مستندات إيه؟
ملكية أراضي… وعقود قديمة… وحاجات تخص شركة أبوك.
ونجلاء عايزة الحاجات دي؟
مش نجلاء لوحدها.
مين كمان؟
ما ردش.
فضلت ساكت لحد ما وصلنا لمدينة كبيرة.
دخلنا عمارة قديمة، وطلعنا الدور التالت.
فتح شريف باب شقة صغيرة.
استنى هنا.
دخلت.
بعد حوالي عشر دقائق، الباب اتفتح.
ودخل رجل في أواخر الخمسينات.
شعره أبيض، ووشه كان شبه أبويا بطريقة خلتني أقف مكاني.
بصلي فترة طويلة.
وبعدين قال
ياسين…
جريت عليه من غير ما أفكر.
ولأول مرة من يوم وفاة أبويا، حسيت إن فيه حد أعرفه.
حضنني بقوة.
وقال بصوت مكسور
أبوك كان خايف عليك.
بعدها بعدني عنه وبص في عيني.
بس اللي مخوفني أكتر… إن محمود مات قبل ما يقول لي الحقيقة كاملة.
سألته
حقيقة إيه؟
حسام بص لشريف.
شريف قفل الباب بالمفتاح.
وبعدين حسام قال
أبوك ما كانش مجرد صاحب شركة زي ما نجلاء قالتلك.
أمال كان إيه؟
حسام قرب من مكتبة صغيرة، وسحب منها ملف أسود.
حطه قدامي.
أبوك كان شريك في أرض كبيرة جدًا.
فتح الملف.
وكانت أول ورقة فيها خريطة لأرض ضخمة.
وتحتها توقيع أبويا.
لكن في أسفل الصفحة…
كان فيه توقيع تاني.
توقيع نجلاء.
قلت
هي كانت شريكته؟
حسام هز راسه.
لأ.
أمال مضت ليه؟
حسام بصلي وقال
لأنها كانت بتحاول تنقل الأرض كلها لنفسها.
فتحت عيني بدهشة.
بس إنت قلت إن أبويا كان عارف!
كان عارف.
طب ليه ما منعهاش؟
حسام سكت.
وبعدين قال جملة خلتني أحس إن الأرض اتحركت من تحتي
لأنه اكتشف إن التوقيع اللي على الورق…
مش توقيع نجلاء الحقيقي.
وقبل ما أقدر أتكلم، سمعنا صوت طرق قوي على باب الشقة.
حسام اتجمد.
وشريف قام فورًا.
الطرق اتكرر.
وبعدين جه صوت من خلف الباب
افتح يا حسام.
كان صوت نجلاء.
لكن المرة دي…
كان معاها شخص تاني.
وصوته كان مألوف جدًا.
صوت الراجل اللي ظهر في صورة أبويا.
قال
كفاية لعب… إحنا عارفين إن ياسين عندك حسام بصلي للحظة، وبعدين أشار لشريف ناحية الباب الخلفي.
خد ياسين واخرج من هنا.
اعترضت فورًا
لأ! أنا عايز أعرف مين الراجل ده!
حسام قرب مني وقال بصوت منخفض
هتعرف كل حاجة… بس لازم نخرج الأول.
الطرق على الباب بقى أعنف.
حسام! افتح!
صوت الراجل كان ثابت، وكأنه متأكد إننا مش هنقدر نهرب.
شريف فتح باب صغير في آخر الشقة.
من هنا.
دخلت وراه، لكن قبل ما أقفل الباب سمعت حسام بيقول
لو كنت عايز الورق، تعالى خده بنفسك.
سكت الراجل بره.
وبعدين ضحك ضحكة قصيرة.
الورق مش هو اللي يهمني.
حسام رد
أمال إيه؟
جاء الرد
الولد.
جسمي كله اتجمد.
شريف شدني بسرعة ونزلنا السلم الخلفي.
خرجنا للشارع، وركبنا العربية.
وأثناء ما كنا بنبعد، سألت شريف
ليه الراجل ده عايزني؟
ما ردش.
إنت عارف، صح؟
فضل ساكت.
صرخت
قول!
بصلي من المراية وقال
لأن أبوك كتب اسمك في وصيته بطريقة مختلفة.
يعني إيه؟
يعني إن اللي هيرث ممتلكاته مش الشخص اللي نجلاء فاكرة إنه الوريث.
سكت لحظة.
إنت.
بصيتله بعدم تصديق.
أنا؟
أيوه.
بس أنا عندي عشر سنين!
عشان كده أبوك حط شروط.
حسيت إن رأسي مليانة أسئلة.
طب نجلاء كانت عارفة؟
كانت عارفة إن فيه وصية… لكنها ما كانتش تعرف كل تفاصيلها.
والراجل ده؟
شريف قبض على إيده فوق عجلة القيادة.
هو كان جزء من الاتفاق القديم.
اتفاق إيه؟
قبل ما يجاوب، موبايله رن.
بص للشاشة، وما ردش.
الرنة انتهت.
وبعد ثواني…
وصلته رسالة.
قرأها، وشه اصفر.
قلت
مين؟
ناولني الموبايل.
كانت الرسالة قصيرة
لو عايز ياسين يفضل عايش، رجّعه للمكان اللي اتولد فيه أبوه.
بصيت لشريف.
يعني إيه المكان اللي اتولد فيه أبويا؟
قال
معرفش.
لكن نبرة صوته قالت إنه عارف.
إنت بتكدب.
فضل ساكت.
شريف، إنت تعرف المكان ده!
بعد لحظات، قال
أيوه.
فين؟
بص قدامه وقال
قرية صغيرة اسمها الصفا.
سكت لحظة، وبعدين كمل
وهناك أبوك عاش أول عشر سنين من عمره.
وإيه اللي موجود هناك؟
شريف شد على عجلة القيادة.
البيت القديم.
بيت جدي؟
لأ.
أمال بيت مين؟
نظر لي في المرآة وقال
بيت الراجل اللي كان واقف في الصورة مع أبوك وحسام.
حسيت بقلبي بيخبط في صدري.
مين الراجل ده؟
شريف ما ردش.
وفي اللحظة دي، موبايله رن تاني.
المرة دي رد.
سمعنا صوت نجلاء من الناحية التانية.
قالت جملة واحدة
شريف… إنت فاكر إنك بتحمي الولد، بس إنت مش عارف أبوك عمل إيه.
وبعدين قفلت.
شريف فضل ساكت.
أما أنا…
فبصيت للصورة اللي في إيدي.
ثلاثة رجال.
أبويا.
حسام.
والراجل الغريب.
وتحتهم، بخط أبويا، جملة صغيرة ما كنتش واخد بالي منها قبل كده
واحد منهم خانني. .. وواحد منهم أنقذني… لكني لم أعرف أيهما حتى اليوم.
رفعت عيني لشريف.
إحنا رايحين الصفا، صح؟
ما ردش.
لكنه زوّد سرعة العربية.
وفي نفس اللحظة، ظهرت عربية سوداء خلفنا.
نفس العربية اللي كانت واقفة قدام بيت الحاجة فاطمة.
وكانت بتقرب مننا بسرعة…العربية السوداء كانت بتقرب مننا بسرعة.
شريف بص في المراية، وبعدها قال
اربط الحزام كويس.
ليه؟
عشان الطريق قدامنا مش سهل.
ما لحقتش أسأله،
لمحة نيوز

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *