روايه كامله للكاتبه انجي الخطيب

رجعت من مهمتي في سيناء قبل ميعادي بتلات أسابيع، وأنا طايرة من الفرحة إني هفاجئ جوزي وبنتي الصغيرة اللي عندها أربع سنين. كنت متخيلة أول ما أفتح باب الشقة ألاقي بنتي تجري عليّا وتحضني، وجوزي يضحك من المفاجأة لكن اللي شوفته أول ما دخلت خلاني أحس إن قلبي اتخلع من مكانه.
بنتي مريم كانت قاعدة على الأرض في طرقة الشقة، هدومها متبهدلة وشعرها منكوش، وحاضنة طبق بلاستيك فاضي كأنها متعلقة بيه عشان ما تقعش من الجوع.
أول ما شافتني رفعت عينيها وقالت بصوت واطي ماما؟ إنتي بجد رجعتي؟
رميت الشنطة من إيدي وجريت عليها، ونزلت على ركبتي وأنا بضمها لصدري أيوه يا حبيبتي أنا ماما، أنا هنا.
مدت إيديها الصغيرة ولمست وشي بإيديها الاتنين، كأنها بتتأكد إني مش حلم، وبعدها رمت نفسها في حضني وفضلت تعيط بس من غير ولا صوت.
أنا الرائد نادين محمود، ضابطة في القوات المسلحة، وكنت بقالي ست شهور في مهمة بعيد عن البيت. وكنت فاكرة إن رجوعي للبيت هيكون أسعد يوم في حياتي.
لكن أول ما دخلت المطبخ، ريحة الأكل البايظ ضربت في وشي. الزبالة كانت مالية البلكونة والمطبخ، والأطباق متكومة في الحوض، والشقة كلها كانت حالتها تقطع القلب.
والأصعب من كل ده إن بنتي نفسها كانت شكلها مرعب من شدة الضعف.
بصيت لها وأنا بحاول أتماسك وقلت بابا فين يا مريم؟
ردت وهي بتبصلي بابا في السفينة الكبيرة.
اتخضيت سفينة إيه؟ ومين كان قاعد معاكي؟
مريم أشارت ناحية طرقة الشقة وقالت بمنتهى البراءة محدش تيتة قالت إن طنط سوسن هتجيبلي بسكوت.
حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
مسكت موبايلي واتصلت بالنجدة فورًا.
وأنا مستنية الشرطة والإسعاف، كنت بحاول أدي مريم شوية مية على فترات، وبعدها فتحت شنطتي العسكرية وطلعت منها تفاحة مهروسة كانت معايا، واديتها معلقتين صغيرين بس عشان معدتها كانت فاضية بقالها فترة.
بصيت لها وقلت بابا سابك من إمتى يا حبيبتي؟
رفعت إيديها الصغيرة وطلعت تلات صوابع.
تلات أيام.
بنتي عندها أربع سنين كانت لوحدها في الشقة لمدة تلات أيام كاملة.
بعد دقائق الإسعاف وصلت، والمسعفين دخلوا يشوفوا حالتها، وفي نفس الوقت دخل أمين الشرطة كريم عبدالسلام وبدأ يفتش الشقة ويتأكد إن مفيش خطر عليها.
وأنا كنت لسه مش مستوعبة اللي حصل، فتحت حساب جوزي على فيسبوك.
وفي اللحظة دي حسيت إني ممكن أكسر الموبايل في إيدي.
لقيته منزل صور وهو مبسوط على يخت سياحي في الغردقة، حواليه مامته سعاد، وأخته داليا، وكام فرد من العيلة، وكلهم بيضحكوا وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
جوزي سامح كان عايش حياته عادي جدًا بينما بنته كانت قاعدة لوحدها جعانة في البيت.
فتحت حسابنا البنكي عشان أعرف صرف إيه.
اتصدمت.
حوالي ستمية ألف جنيه اتسحبوا من حسابنا.
فلوس مرتبي، وتحويشة الطوارئ اللي كنا محوشينها، وكل الفلوس اللي كنا بنعتمد عليها لو حصل ظرف.
مصاريف الفندق والرحلة، مطاعم، رحلات بحرية، مشتريات، وكمان سداد مديونيات على كروته البنكية.
كل ده في الوقت اللي بنتي كانت بتدور على أي لقمة تاكلها.
وفجأة سمعت خبط جامد على الباب.
كانت جارتنا طنط هناء، أول ما دخلت جريت عليّا وقالت نادين! أنا شفت مريم امبارح من الشباك! كنت برن الجرس وبخبط، وفي راجل رد عليّا من خلال كاميرا الباب وقاللي إن جوزك موجود وإن واحدة من قرايبكم فوق معاها!
أمين الشرطة كريم بص لها باستغراب وقال قريبة مين؟
هزت راسها وقالت معرفش بس الراجل هو اللي قاللي كده.
بص أمين الشرطة للشقة كلها وقال مفيش أي حد هنا غير الطفلة وأمها.
وقبل ما حد يفهم مين الراجل ده، موبايلي رن.
كان سامح.
فتحت المكالمة وحطيته على السماعة الخارجية.
صوته كان مليان دوشة ومزيكا وضحك.
قال نادين؟! إنتي رجعتي ليه بدري؟!
بصيت له وقلت بهدوء يخوف أكتر من الزعيق مين اللي كان بيرعى بنتك؟
سكت.
وبعد ثواني قال الست اللي كانت هتيجي اعتذرت في آخر لحظة.
قلت له وأنت سبت مريم لوحدها؟
قال بسرعة ماما قالت إن طنط هناء هتكون بتبص عليها.
صرخت فيه مريم عندها أربع سنين يا سامح! إنت سبتها لوحدها تلات أيام!
قال بعصبية وطي صوتك! إحنا راجعين يوم الحد وخلاص.
بصيت لأمين الشرطة، وبعدين قلت الشرطة واقفة في الصالة دلوقتي.
فجأة سكت.
المزيكا اللي كانت وراه اختفت من ودني، وبقيت سامعة بس نفسه وهو بيتنفس بسرعة.
قال إنتي عملتي إيه؟
قلت أنا؟ أنا رجعت بيتي.
صوته اتغير فجأة وقال نادين اسمعيني كويس. متخليش الشرطة تفتش الشقة.
أمين الشرطة كريم بصلي، وبعدين قال اديني سبب واحد.
سامح فضل ساكت ثواني، وبعدها قال بصوت مبحوح
بس مهما حصل، أوعي تفتحي دولاب الملايات اللي في طرقة الشقة.
كل الموجودين بصوا ناحية الطرقة.
كان فيه دولاب خشب قديم في آخر الممر، عمري ما شوفته مقفول بالشكل ده قبل كده.
والأغرب إن كان متحط عليه قفل حديد تقيل.
بصيت لأمين الشرطة وقلت القفل ده عمره ما كان موجود.
قرب منه وبص عليه كويس.
وفي اللحظة دي سامح بدأ يصرخ من التليفون
نادين! متفتحيهوش!
أمين الشرطة بص له وقال ليه؟
سامح صوته علي بشكل هستيري
لو فتحت القفل ده كل حاجة هتبوظ! هتدمروا كل حاجة!
أمين الشرطة كريم طلب من العسكري يجيب قصافة الحديد.
وقف قدام الدولاب، وحط القصافة على القفل.
وأنا واقفة مكاني مش قادرة أتحرك، وببص على الباب الحديدي الصغير اللي وراه سر محدش كان عايزني أعرفه.
ومع أول ضغطة من القصافة على القفل، فهمت إن جوزي ماكانش بس ساب بنتنا لوحدها.
ده كان مخبي حاجة جوه بيتي وأنا بعيدة عنه.
وحاجة بالشكل ده كانت كفيلة إنها تقلب حياتنا كلنا رأسًا على عقب.
صوت طرقعة الحديد المكسور رنت في طرقة الشقة زي ضربة رصاص. القفل التقيل وقع على الأرض وصوته اتدحرج بين رجلينا.
في نفس اللحظة، صراخ سامح في الموبايل اتخنق فجأة وبقى عبارة عن شهقات متقطعة، وكأن الهواء اتسحب من الرئة عنده مرة واحدة.
أمين الشرطة كريم حط إيده على مقبض دولاب الملايات، وبصلي ونطق كلمة واحدة ارجعي ورا يا فندم.
رجعت خطوة وأنا بسحب مريم أكتر لحضني، البنت كانت مغمضة عينيها ودافنة وشها في رقبتي، حاسة بالخوف والتوتر اللي مالين الجو.
كريم فتح ضفتين الدولاب الخشب.
الريحة اللي طلعت منه كانت مكتومة ومخلوطة بريحة مواد كيميائية نفاذة وجنزارة. الدولاب من جوه ماكانش فيه ملايات ولا فوط الرفوف كلها كانت متشالة، والمساحة العميقة اللي جوه كانت متحولة لحاجة تانية خالص.
كراتين متقفلة ببلاستر أسود، جنبها أكياس بلاستيك شفافة مليانة بكرات بيضاء ومساحيق مغلفة بدقة، وجنبهم على رف سفلي صاج شنطة سفر سوداء مفتوحة نص فتحة، طالع منها رزم فلوس دولارات ملزوقة بشريط أحمر، ومعاها سلاح ناري بدون ترخيص وخزنتين مليانين طلقات.
لكن المصيبة الأكبر كانت متثبتة في ضهر الدولاب جهاز تسجيل صغير متوصل بكاميرات الشقة الخارجية، وجهاز شبكة بيث بث مباشر!
الدم اتجمد في عروقي. أنا ضابطة في القوات المسلحة، عارفة الشكل ده كويس دي مش مجرد مخدرات أو فلوس مهربة، دي كانت نقطة توزيع وإدارة لشبكة غير مشروعة، واستغل غيابي وتواجدي في سيناء عشان يحول بيتي لستار محمي باسمي وموقعي العسكري!
أمين الشرطة كريم خطى خطوة لورا بسرعة، وسحب سلاحه، وعينيه اتوسعت وهو بيبصلي بنظرة فيها صدمة وشك في نفس الوقت حضرة





