روايه كامله للكاتبه انجي الخطيب

المكان هنا كان هادي، قريب من خدمتي العسكرية الجديدة، والبيت طاقته كلها دفا وأمان.
كنت واقفة قدام المراية بلبس بدلتي العسكرية بعد ما اترقيت لرتبة مقدم، بظبط الياقة والنجوم على كتفي وأنا ببص على صورتي. الكسرة والتعب اللي كانوا في عيني يوم ما رجعت من مهمة سيناء اختفوا تماماً، وحل محلهم ثبات وقوة محدش في الدنيا يقدر يكسرهم تاني.
وفجأة، سمعت صوت خطوات صغيرة بتجري على الخشب في الطرقة خطوات مالية البيت حيوية وضحك.
خرجت مريم من أوضتها وهي لابسة يونيفورم المدرسة لأول مرة، ضفايرها متسرحة بربطات بيضاء، وحاضنة الشنطة الجديدة على ضهرها. جرت عليا وحضنتني وهي بتضحك من قلبها ماما! بصي أنا بقيت كبيرة وخلاص رايحة كي جي!
نزلت على ركبتي ونفضت هدومها بشويش، حطيت إيدي على وشها اللي ردت فيه الصحة والجمال، وبقت حنيتها وضحكتها هما اللي مالين دنيتي.
أجمل وأشطر بنوتة في الدنيا كلها مريم نادين محمود.
مريم بصت لي بطفولة وبراءة وقالت بصوت هادي ماما إحنا خلاص مش هنرجع البيت القديم تاني صح؟ ولا بابا هييجي؟
مسكت إيدها الصغيرة وحطيتها على قلبي وقالت لها بثبات البيت القديم اتقفل يا مريم وبابا اختار طريقه وبقى بعيد خالص عننا. إحنا هنا في بيتنا الجديد، وعمر ما حد في الدنيا يقدر يلمس شعرة منك أو يخوفك طول ما أنا بتنفس.
في اللحظة دي موبايلي رن. كان المستشار القانوني بتاعي.
رديت على التليفون صباح الخير يا سيادة المستشار.
جه صوته مطمن وحاسم صباح الخير يا سيادة المقدم. حبيت أبلغك إن محكمة النقض رفضت الطعن المقدم من دفاع سامح، والحكم بقى نهائي وبات بالترديد في السجن المشدد. غير إن محكمة الأسرة أصدرت حكم نهائي بإسقاط الولاية التعليمية والحضانة عنه وعن أهله تماماً، والحضانة المطلقة ليكي بدون أي حق ليهم في التعرض.
سكت ثانية وسألته وأهله؟
رد المحامي والدته وأخته صدر ضدهم أحكام مع إيقاف التنفيذ وغرامات مالية ضخمة ردًا للفلوس اللي اتصرفت من حسابك، وتم التحفظ على كل ممتلكاتهم لسداد باقي المبالغ المسروقة. سامح محامي بعت جواب منه بيكتبه من السجن بيترجاكي تسامحيه وتخليه يشوف مريم.
رديت ببرود زي الجليد قطع الجواب ده يا متر إحنا مش بنقرا صفحات اتحرقت خلاص.
قفلت المكالمة وأخدت نفس عميق. بصيت لمريم وهي ماسكة علبة ألوانها وبترسم وردة بيضاء صغيرة.
يلا يا مريم عشان متتأخريش على مدرستك.
مسكت إيدها وخرجنا من الشقة، ونزلنا السلم وصوت ضحكتها يرن في الشارع. أول ما فتحت باب العمارة، هواء الصبح ضرب في وشنا ونور الشمس جاب أمل جديد.
مريم رفعت رأسها وبصت لي بابتسامة صافية يلا يا سيادة المقدم!
ابتسمت من قلبي، وأخدت خطوة بثقة وجنبها بنتي سيبنا الخيانة والوجع ورا ضهرنا، ومشينا في طريق جديد أوله حق، وآخره حياة أمان أخيرًا قدرنا نكسبها.
عدت سنتين كمان، والحياة بدأت تمشي بإيقاع جديد تماماً، هادي وواثق وزي ما تمنيته طول عمري.
كنت واقفة في معسكر التدريب بالإسماعيلية، الشمس طالعة على كتيبتي، وصوتي بيرن في الميدان وأنا بدي التعليمات للضباط والعساكر الجداد. الهيبة والالتزام اللي في شغل كل يوم كان بالنسبة لي هو الملاذ اللي برجع بيه لنفسي وقوتي.
وفجأة، العسكري شرفني وسلمني كارت تليفون الشغل سيادة المقدم، مديرية التربية والتعليم على التليفون طالبين سيادتك بخصوص الأنسة مريم.
قلبي دق لمسة خفيفة، بس مش من الخوف زي زمان المرة دي كانت دقة ارتقاب.
مسكت السماعة أفندم؟ مع حضراتكم المقدم نادين محمود.
جالي صوت مديرة المدرسة بشوش ومبتهج سيادة المقدم، بنتك مريم فازت بالمركز الأول على مستوى المحافظة في مسابقة القراءة والرسم، والنهاردة حفل التكريم في مسرح القناة الكبير. هي رفضت تطلع تستلم الجائزة غير لما تضمن إنك هتكوني قاعدة في الصف الأول!
ابتسمت من قلبي، ورديت فوراً مسافة السكة وأكون عندكم.
بعد نص ساعة، كنت داخلة مسرح القناة ببدلتي العسكرية الكاملة. الأضواء كانت مالية المكان، وأولياء الأمور مالين الصالة. أول ما دخلت وقعدت في الصف الأول المخصص للضيوف، مريم كانت واقفة ورا الستارة، أول ما شافتني عينيها لمعت بشدة، ورفعت إيدها الصغيرة تسلم عليا من بعيد.
المذيع نادى على اسمها والآن مع التلميذة مريم سامح المركز الأول!
مريم طلعت على المسرح بثقة وثبات مايجوش أبداً من بنت عندها سبع سنين مرت بظروف زي اللي عاشتها. كانت لابسة فستان أبيض، وماسكة المايك بإيدها بثبات.
المذيع سألها مريم، لوحتك الفائزة كان اسمها البطلة ممكن تقولي لنا رسمتي إيه ورسمتيه ليه؟
مريم لفت للوحة المعروضة على شاشة المسرح الكبيرة. اللوحة كانت مقسومة نصين؛ نص أسود وضلمة فيه باب مقفول، والنص التاني شمس طالعة وعمارة كبيرة وفيها ضابطة بالزي العسكري ماسكة إيد طفلة صغيرة ومعديين بيها البر الثاني.
مسكت مريم المايك وبصت لي وسط القاعة كلها، وقالت بصوت نقي ورنان وصل لكل زاوية في المسرح أنا رسمت أمي عشان لما الدنيا كانت ضلمة وبابا سابني وخاف، أمي رجعت من الشدة وجبتلي الحياة من جديد. هي مش بس بتحمي البلد هي حمتني أنا الأول.
المسرح كله انفجر بالتصفيق، والحاضرين وقوفاً بيسقفوا للبنت الصغار ولأمها الضابطة. أنا كنت واقفة ومرفوعة الرأس، والدمعة اللي اتجمعت في عيني المرة دي كانت دمعة فخر وانتصار كامل على كل لحظة ضعف ووجع عاشها بيتنا.
نزلت مريم من على المسرح وجرت عليا، حضنتني بقوة أمام الناس كلها، والجائزة في إيدها.
وأحنا خارجين من المسرح، التليفون رن كان رقم غريب.
رديت بهدوء ألو؟
جه صوت محامي سامح، متوتر ومتردد سيادة المقدم نادين سامح حالته الصحية اتدهورت في السجن، وبيقدم طلب إفراج صحي، وبيترجاكي تصرحي لمريم بزيارة واحدة بس قبل ما يعمل العملية بيقولك هي تموت لو ما شافهاش.
بصيت لمريم وهي ماسكة إيدي وبتبتسم للبحر وللسفن المارّة في قناة السويس أمامنا، نفسيتها متصالحة ومفهاش كره ولا عقد، لأنها كبرت في بيئة نضيفة مليانة حب وأمان.
رديت على المحامي بكلمات محسوبة ومفيهاش أي تردد يا متر اللي ساب طفلة عندها أربع سنين تموت من الجوع عشان يروح يتفسح، ما يحقلوش يفتكر إن عنده بنت لما يقع. القانون هو اللي بيحكم في الإفراج الصحي، ومريم خط أحمر مستحيل أدخلها تاني في كوابيس اتعالجت منها بالعافية. قفلنا الصفحة دي للأبد.
قفلت الخط، وما أدتش للموضوع أكتر من ثانية واحدة من تفكيري.
مسكت إيد مريم ومشينا على كورنيش القناة، الهواء النضيف بيطير شعرها، والسفن العملاقة ماشية في المجرى الملاحي بشموخ وقوة زي حياتنا بالظبط اللي مشيت ومافيش أي قوة في الدنيا قادرة ترجعها للورا تاني.
تمت
حكايات انجى الخطيب





