روايه كامله للكاتبه انجي الخطيب

لمحة نيوز
الرائد إيه ده؟
قلت بصوت طالع بالعافية، وحشرجة الغضب بتخنق حنجرتي أقسم بالله ما أعرف عنه حاجة أنا بقالي ست شهور في سيناء.
من الموبايل اللي كان لسه على الأرض وسماعة السبيكر شغال، جه صوت سامح وهو بيبكي بنشيج هستيري نادين نادين والله ما كان قصدي! هما اللي هددوني! هما اللي جابوا البضاعة وقالوا لي لو ما وافقتش هيأذوكي أنتِ ومريم!
زعقت فيه بصوت هز جدران الشقة عشان كده سبت بنتك عندها أربع سنين لوحدها يا واطي؟! عشان كده خدت فلوسي وطلعت تجري على الغردقة وتصرف على أهلك وتتفسح والبيت فيه مصيبة توديك الإعدام؟!
صوت سامح اترعش وهو بيقول الشاب اللي كان بييجي يستلم الشحنات هو اللي كان مفروض يقعد مع مريم ويديها أكل هو اللي قاللي إنه هيرعى البنت لحد ما أرجع! أنا معرفش إنه سابها ومشي لما حس إن الشرطة أو الجيران بيسألوا!
في اللحظة دي، طنط هناء شهقت وحطت إيدها على بقها يعني الراجل اللي رد عليا من الكاميرا كان تاجر مخدرات؟! يا مري!
أمين الشرطة كريم ما استناش، رفع جهاز اللاسلكي بتاعه وطلب دعم فوراً من مكافحة المخدرات والأمن الوطني، وطلب تحفيظ الموقع بالكامل وإرسال قوة للقبض على سامح في الغردقة بالتنسيق مع مديرية أمن البحر الأحمر.
المسعف قرب مني بهدوء وقال يا فندم، الطفلة محتاجة تتنقل المستشفى فوراً عشان الجفاف والتحاليل اللازمة، جسمها ضعيف جداً.
بصيت لمريم اللي كانت مسكت في لياقة الأوفرول العسكري بتاعي بكل قوتها، وكأنها خايفة إن اللحظة دي تضيع وأختفي تاني. مسحت على شعرها المتبهدل، وقلت بصرامة ضابط مش بس حزين، لكنه بيستعد للحرب الإسعاف هتحركني أنا ومريم للمستشفى العسكري، والأمين كريم هيستلم الموقع هنا بنفسه.
بصيت للموبايل اللي على الأرض، وصوت سامح لسه بيترجى ويصرخ نادين متسيبنيش! أمي وأختي مالهمش دعوة، الفلوس أنا اللي صرفتها نادين لحقيني!
وطيت مسكت الموبايل، وقربته من بؤي، وقلت بصوت هادي وزي الثلج سامح إنت مش بس ضيعت شرفك وبعت بيتك ودمرت بنتك إنت حطيت إيدك في إيد اللي يضروا البلد. واعرف إن القوات المسلحة والشرطة مش هيسيبوك وأنا بنفسي اللي هقف قدامك في المحكمة لحد ما أشوفك ورا السوارس.
قفلت الخط في وشه قبل ما أسمع أي كلمة تانية.
شلت مريم بين إيديا، وحطيت رأسها الصغير على كتفي، وخرجت بيها من باب الشقة وأنا مش بتبص ورايا. الشارع كان مليان أنوار الإسعاف والشرطة، والجيران واقفين على السلم مشدوهين.
وأنا نازلة، مريم همست في ودني بصوت ضعيف خالص ماما مش هتسيبيني تاني صح؟
غمضت عيني والدمعة نزلت رغماً عني، وضمتها لصدري أكتر وقلت لها عمر ما حد هيقدر يبعدني عنك تاني يا مريم والحق اللي اتأخد منك ومني، هجيبه بالقانون وبإيدي.
ركبت عربية الإسعاف ومريم كانت ماسكة في الأوفرول بتاع القوات المسلحة بتاعي بقوة رهيبة، كأن صوابعها الصغيرة بقت جزء من القماش. دقات قلبها السريعة كانت مسموعة بالنسبة لي، والدكاترة في الإسعاف شغالين بيقيسوا الضغط والسكر وحاطين لها ماسك أوكسجين خفيف.
أول ما وصلنا المستشفى العسكري، الدكاترة استلموا مريم فوراً. أخدوها على غرفة الرعاية للتحاليل وتركيب المحاليل، وأنا وقفت بره ورا القزاز، شايفاها وهي محطوطة على السرير الأبيض، أرفع وأضعف من طفلة في سنها، بس عينيها كانت متعلقة بيا ومش قادرة تغمض.
في اللحظة دي، موبايلي رن. كان أمين الشرطة كريم.
رديت بسرعة وصوتي ناشف زي الحجر إيه الأخبار عندك يا كريم؟
جه صوته من الناحية التانية وفي الخلفية صراخ ودوشة حضرة الرائد، مكافحة المخدرات والأمن الوطني نزلو الشقة فوراً وتم التحفظ على كل الحرز. وفي نفس الوقت، قوة من مباحث البحر الأحمر كبست على اليخت في الغردقة.
سكت ثانية ومسحت على وشي وجابوه؟
كريم رد بابتسامة ظهرت في نبرة صوته اتقبض عليه وهو قاعد على سطح اليخت ولابس نظارة شمسية وفي إيده المشروب، أمه وأخته كانوا جنبه. القوة قفلت الشاطئ ونزلت بالكلبشات. أمه صرخت ولطمت، وأخته حاولت تداري شنط المشتريات والدهب الجديد اللي اشتروه بفلوسك، بس المباحث تحفظت على كل حاجة، وسامح اتثبت في مكانه ووقع في شر أعماله.
اتنفست بعمق وأنا ببتسم ابتسامة مكسورة. العدالة بدأت تتحرك، بس النار اللي جوه قلبي على بنتي ماكانتش هتطفي بسهولة.
بعد ساعتين، خرج الدكتور من عند مريم، وشه كان مطمن شوية حضرة الرائد، مريم كانت على وشك تدخل في شوك بسبب الجفاف وهبوط السكر الشديد. ربنا ستر إنك وصلتي في آخر لحظة. هي دلوقتي أسرع في الاستجابة والمحاليل بدأت ترجع لها حيوية جسمها، بس هتفضل معانا يومين تحت الملاحظة.
دخلت لها الغرفة، ووطيت باست رأسها. مريم فتحت عينيها بشويش وبصت لي ماما هو بابا مش هيجي يزعق لك؟
الجملة نزلت عليا زي السكينة. فهمت إن سامح ماكانش بس مهمل، ده كان بيمارس عليهم إرهاب نفسي قبل ما يسيبها ويغادر.
مسكت إيدها الصغيرة وقلت بصوت حنون بس ثابت محدش يقدر يزعق لماما، ومحدش في الدنيا دي كلها يقدر يلمس شعرة منك تاني يا قلب ماما.
بعد أيام
كنت واقفة أمام سراي النيابة العسكرية ومجمع المحاكم. لابس رسمي، نجومي بتلمع على كتفي، وثباتي رجع لي مضاعف.
سامح كان واصل في عربية الترحيلات، هدومه متبهدلة، وشة باهت، والدواير السودة تحت عينيه بتقول إنه مانامش من يومها. أمه وأخته كانوا واقفين بره المحكمة بيبكوا وبيترجوني.
أم سامح جرت عليا ومسكت في إيدي وهي بتبكي يا نادين يا بنتي! ابني يروح فيها! ده طمع وشيطان دخل بينكم، ابوسي إيدك تنازلي، احنا مستعدين نرجع لك كل مليم!
سحبت إيدي منها ببرود شديد وبصيت لها في عينها الفلوس تعوضها الملايين يا سعاد هانم بس تلات أيام بنت أربع سنين تتساب لوحدها تموت من الجوع والخوف عشان حضراتكم تتفسحوا بفلوسها في الغردقة؟ دي مالهاش تنازل. واللي عمله ابنك مش بس جريمة في حق بنته، ده خيانة واستغلال لبيتي في تجارة سموم وأنا على الجبهة.
سامح وهو بيمشي بين عساكر الحراسة بصلي ونادى بصوت مكسور نادين سامحيني عشان خاطر مريم!
بصيت له بمنتهى القسوة وقلت له كلمتين بس مريم ملهاش أب من النهاردة.
الحكم صدر بعد تحقيقات مكثفة؛ السجن المشدد لسامح في قضايا حيازة السلاح بدون ترخيص، والاتجار في المواد المخدرة، واستغلال بيت ضابط في أعمال غير مشروعة، بالإضافة لقضية الإهمال الجسيم والتعريض لحياة طفل للخطر. وأمه وأخته اتوجهت لهم تهم التستر والاشتراك في تبديد أموال متحصلة من جريمة.
خرجت من باب المحكمة، والشمس كانت طالعة ومشرقة على غير العادة.
في العربية، كانت مريم قاعدة في الكرسي اللي جنبي، ماسكة لعبتها الجديدة وبتضحك وهي بتبص لي من الشباك، لون وشها ورجع لها أمل الحياة من تاني. أخدت نفس عميق وشغلت العربية، وأنا عارفة إن اللي جاي مش هيكون سهل، بس المرة دي، أنا وبنتي ماشيين في الطريق الصح، وإيدي في إيدها للأبد.
مرت سنة كاملة على اليوم اللي اتغيرت فيه حياتي للأبد.
الشمس كانت داخلة من شباك شقتنا الجديدة في الإسماعيلية، ريحة الهواء كانت نضيفة ومفيش فيها أي أثر للماضي الأليم اللي عشناه.





