حكايات مني السيد 1

لمحة نيوز

اللي اختفوا، ولا حتى في الإهانة والبهدلة. أنا كان كل اللي بيتردد في وداني هو صريخ يوسف ويونس. توأمي اللي ما كملوش ست شهور، اللي ما ناموش ليلة بعيد عن صدري، اللي بيرضعوا طبيعي وميعرفوش حتى شكل الببرونة!
عيالي يا بابا… صرخت والصرخة شقت سقف البيت عيالي هيموتوا من الجوع عنده! أحمد ما بيعرفش يغيرلهم حفاضة! أخته الحرباية اللي نازلة رايحة مش هتعرف تسكتهم! دول بيسننوا وصدرهم وجعهم… وديني عندهم يا بابا، حتى لو هحبسوني، المهم اخد عيالي في حضني!.
أبويا مسكني من كتافي بكل العزم اللي باقيله، هزني بقوة عشان أفوق اهدي يا نرمين! البكاء مش هيرجعلك حقك، ده تفتيح عين للشيطان. الراجل ده مش ناوي على خير، طالما سبَق وعمل محضر وهو اللي كاسر وهو اللي طارد، يبقى مترتبلها مع أهله صح. قومي اغسلي وشك والبسيلك حاجة عدلة، إحنا هننزل على محامي ابن حلال وندخل القسم، الحق ما بيضيعش يا بنتي طالما أصحابه وراه.
لبست عباية وطرحة من هدومي القديمة اللي كانت سايبة في بيت أبويا. طول ما أنا في التاكسي، كنت حاسة إن عيالي بينادوا عليا. كل ما أشوف واحدة ماشية في الشارع وشايلة بيبي على كتفها، قلبي ينعصر وصدري يوجعني من كتر اللبن المتحجر فيه من القهر.
وصلنا لمكتب أستاذ مجدي، محامي قديم في منطقتنا وصاحب أبويا من أيام الشباب. دخلنا المكتب، وريحة الورق القديم والدوسيهات حسستني بخنقة أكتر. حكينا له كل حاجة من طأطأ لسلامو عليكم؛ من أول خروج أخته نادية ودخولها من غير استئذان، والبهدلة اللي عشتها معاها، لحد طردي في نص الليل وإسدال الجارة، والصور اللي أحمد بعتها على التليفون، والرسالة الصوتية.
أستاذ مجدي مسك الموبايل، بص في الصور بتمعن، وشغل التسجيل مرتين وتلاتة، وهو بيعدل نضارته الطبية ووشه بيتقلب تدريجيًا من التعاطف للقلق الشديد.
بصي يا بنتي… أستاذ مجدي اتكلم بنبرة رزينة خلت ركبي تسيب أكتر أحمد ده مش شغال لوحده. الترتيبة دي مش ترتيب عيل طايش ضرب مراته في ساعة غضب. ده تخطيط شيطاني وواضح إن في حد محاميه مخلصه ملقنه كل خطوة. هو عمل إيه؟ استغل إنك مشيتي وما عملتيش إثبات حالة في نفس الليلة، وراح الصبح بدري جاب النجدة، وعمل محضر إثبات حالة ومعاينة إن الشقة متبهدلة، وإنك نزلتي بالليل بعد خناقة وانتقمتي منه بإنك كسرتي المطبخ وسرقتي دهبك ومبلغ مالي هو مدعي إنه كان سايبه في البيت!.
مبلغ إيه ودهب إيه؟! قاطعته وأنا بنهج من الصدمة دهبي هو اللي باعه من سنتين عشان يسدد ديون تجارته! والبيت ما كانش فيه حتى تمن علبة لبن صناعي لولاده! أنا حتى ما أخدتش بطاقتي ولا شبشبي من على باب الشقة!.
أنا مصدقك يا نرمين، والقاضي لو سمعك هيصدقك، بس القانون ما بيعترفش بالدموع، القانون بيعترف بالورق والمحاضر والشهود.. أستاذ مجدي قام وقف ومسك جاكتته إحنا مش هنضيع وقت في الكلام. إحنا هنطلع حالًا على قسم الشرطة نعمل محضر طرد واحتجاز أطفال رضع بدون وجه حق، ونسلمهم فواتير الجهاز وقائمة المنقولات، ونطالب بتمكين من مسكن الزوجية بحضانة الصغار… بس قبل ما نروح، المفاجأة اللي قال عليها في التسجيل قالقة راحتي. لازم نعرف هو كتب إيه في المحضر بتاعه بالظبط.
نزلنا مع أستاذ مجدي، والطريق لقسم الشرطة كان كأنه طريق للمشنقة. أول ما دخلنا ديوان القسم، ريحة السجاير وصوت الكلبشات والعساكر اللي رايحة وجاية زادوا من رعبي. قعدت على بنك خشب جنب أبويا اللي كان ماسك سبحته وشفايفه بتتحرك بالدعاء من غير صوت.
أستاذ مجدي دخل مكتب النوبتجية وغاب جوه ييجي نص ساعة. النص ساعة دي عدت عليا كأنها تلاتين سنة من العذاب. فجأة طلع، وشه كان مخطوف تمامًا، ولونه أبيض كأنه شاف ميت.
قرب مننا بخطوات بطيئة، أبويا وقف بلهفة وسأله خير يا متر؟ طمنا بالله عليك؟.
أستاذ مجدي بص في الأرض، وبعدين بصلي بتردد وألم شديد وقال بصوت واطي ومبحوح المحضر بتاعه مش بس سرقة وتكسير يا عم حسين… أحمد مشتكي نرمين بإنها خرجت من البيت مع راجل غريب في نص الليل، وإنها مهملة في رعاية أطفالها، والأنيل من ده كله… إنه مقدّم تنازل رسمي ممضي وبصمتها عليه، بتتنازل فيه عن حضانة التوأم يوسف ويونس لأخته نادية!.
إيييييه؟! الصرخة طلعت مني زلزلت القسم كله، لدرجة إن أمين الشرطة اللي واقف على الباب زعق يا ست وطي صوتك إحنا في ميري!.
أنا كنت حاسة إن دماغي هتنفجر. تنازل؟ وبصمتي؟! إزاي؟! مسكت في صدر أستاذ مجدي وصرخت بانهيار تنازل إيه يا متر؟! أنا عمري ما مضيت على ورقة بيضا! عمري ما أفرط في حتة من كبدي! ده أنا بولد قيصري كنت بموت عشانهم! والله العظيم مزور… والله العظيم كداب!.
أستاذ مجدي مسك إيدي بهدوء وحاول يهديني اهدي عشان نعرف نفكر! هو مقدم ورقة تنازل عرفية، ومكتوب فيها إنك مش قادرة على تربيتهم عشان عندك اضطرابات نفسية، وإنك موافقة بكامل إرادتك إن أخته نادية هي اللي تتولى حضانتهم مقابل إنه ما يحبسكش بالسرقة والتكسير! وطبعًا النيابة لما هتجيلها الأوراق دي، الموضوع هيتعقد جدًا، خصوصًا إنه جاب شهود من العمارة!.
شهود مين؟! أبويا اتكلم بغضب وقهر الجيران عارفين تربية بنتي! ده

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *