ظعم في يدا اليفه٤
خرجت خديجة من غرفة الطبيب بخطواتٍ متعثرة، كأنها لا تعرف إلى أين تتجه، ولا ماذا تفعل بعد أن سمعت ما لم يكن قلبها مستعدًا لسماعه.
عملية قلب…نسبة خطورة مرتفعة…
والدتها قد لا تحتمل…
ترددت الكلمات في رأسها كأنها مطارق تضرب عقلها بلا رحمة.
هل يُعقل أن يأتي اليوم الذي تستيقظ فيه ولا تجد أمها إلى جوارها؟
هل يُعقل أن تفقد المرأة التي كانت لها أمًا، وأبًا، ووطنًا كاملًا؟
انهمرت دموعها بغزارة، وأسرعت تمسحها بيد مرتجفة، لكنها كانت أكثر من أن تُخفى.
وفجأة…
جاءها صوته من خلفها، ذلك الصوت الذي لطالما كان قادرًا على أن يهدئ اضطراب قلبها بمجرد أن تسمعه.
_خديجة!
توقفت في مكانها والتفتت إليه سريعًا.
كان عبدالرحمن يقف أمامها، وما إن وقعت عيناه على وجهها الغارق بالدموع حتى تغيرت ملامحه، واقترب منها بخطوات سريعة.
_مامتك عاملة إيه؟
لم تجبه.
ظلت تحدق به بعينين تائهتين
ماذا تقول له؟
هل تخبره أن أمها قد ترحل؟
هل تقول له إنها للمرة الأولى تشعر أنها طفلة صغيرة، خائفة من أن تفقد اليد التي ظلت تتشبث بها طوال عمرها؟
ارتجفت شفتاها، ولم تستطع الكلام.
فقال برفق:
_خديجة… بصيلي.
رفعت عينيها إليه.
وفي اللحظة نفسها، لمح أثر أصابع واضحًا على جانب وجهها، وقد تلون موضع الضربة بلونٍ قاتم.
تجمدت ملامحه.
_إيه اللي في وشك ده؟
أسرعت بوضع يدها فوق موضع الصفعة، وخفضت عينيها.
_اتخبطت في الحيطة.
ظل ينظر إليها للحظات.
لم يصدقها.
لكنه لم يضغط عليها،
رفع يده بهدوء إلى حجابها، وجمع بعض خصلات شعرها التي بعثرتها الحركة تحت الحجاب، ثم عدّل طرفه برفق.. كانت يداه حانية عليها بقدر حبه، طالعها بنظرة تخصها ومازال اطراف ححابها بين أصابعه
_ظبطي شعرك…متخليش حاجة منه تبان
نظرت إليه بصمت.
قال وهو يثبت عينيه في عينيها:
_ومش عايزك تقلقي… أنا موجود.
كانت كلمتان فقط.
لكن قلبها المكسور تلقاهما كأنهما طوق نجاة أُلقي إليها في بحرٍ هائج.
ازداد ارتجاف جسدها.
_عارف نفسي في إيه؟
قالتها بصوتٍ مختنق بالبكاء.
اقترب منها خطوة، وكأن قلبه فهم قبل أن يسمع.
_في إيه؟
هزت رأسها، ودموعها تتساقط بلا توقف.
_نفسي…
توقفت الكلمات في حلقها.
وضعت يدها على صدرها، ثم قالت بصعوبة:
_نفسي أعيط في حضنك… وأحس إن مفيش حاجة وحشة هتحصل.
أغمض عبدالرحمن عينيه للحظة، وكأنه يقاوم رغبته في أن يضمها إليه رغم كل ما حولهما.
ثم قال بصوتٍ خافت:
_وأنا نفسي أضمك أوي…
فتح عينيه ونظر إليها بحنان.
_بس خلاص… هانت. مامتك هتقوم بالسلامة، وإحنا هنعدي كل ده.
انفجرت في البكاء.
_يارب يا عبدالرحمن… يارب.
وقبل أن يضيف كلمة…
جاء صوت خالد من خلفهما، مشحونًا بالغضب:
_ده إيه الفجر اللي فيكم ده؟! خلاص مفيش شوية دم؟!
التفت عبدالرحمن إليه ببطء.
_إيه اللي بتقوله ده يا خالد؟
اقترب خالد منه بخطوات غاضبة، ولم يمنحه فرصة أخرى للكلام.
قبض يده، وسدد لكمة مفاجئة إلى وجهه.
ترنح عبدالرحمن خطوة إلى الخلف.
تجمد في مكانه.. لم يستوعب ما حدث.
رفع يده ببطء إلى موضع الضربة، ثم نظر إلى خالد في ذهول، وكأن عقله يرفض تصديق أن الرجل الذي أمامه ضربه دون مقدمات.
اقترب خالد منه، وأشار إليه بتهديد:
_لو شوفتك صدفة قدامي… هموتك.
ظل عبدالرحمن ثابتًا مكانه للحظات، وعيناه لا تفارقان خالد.
لم يكن غضبه من الألم…
بل من الإهانة، ومن الظلم الذي وقع عليه فجأة دون أن يفهم سببه.
ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنه حاد:
_الكلام ده لمين يا خالد؟
_امشي من هنا يا عبدالرحمن.
ثبت عبدالرحمن عينيه عليه.
_أنا بسألك… الكلام ده لمين؟
لكن خالد لم يجبه، واكتفى بنظراتٍ مشتعلة بالغضب.
في تلك اللحظة، وصل مروان مسرعًا، فانتقلت عيناه بين خالد وعبدالرحمن وخديجة.
_خالد… إيه اللي حصل لطنط فاتن؟
ثم اقترب من خديجة
_طمنيني والداك كويسة، متقلقيش عليها هنقلها احسن مستشفى
