من حكايات مربم

سكت لحظة.

وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة.

— ماتمثليش إنك مش عارفة.

حسيت إن صدري اتقبض.

— كلوديا… صاحبتك؟

قال:

— أيوه.

كلوديا كانت أعز صاحبة ليا.

كنت أعرفها من أيام الجامعة.

هي نفسها اللي كانت بتيجي المستشفى كل يوم تقريبًا بعد ما عرفت بمرضي.

هي اللي كانت بتمسك إيدي وتقول:

“ماتخافيش يا حبيبتي… أحمد جنبك وأنا جنبك.”

هي اللي كنت بعتبرها أختي.

بصيت لأحمد وقلت:

— إنت وكلوديا…؟

ما احتجتش أكمل.

هو اللي كمل.

— بقالنا فترة.

ضحكت.

ضحكة غريبة خرجت مني رغم إني كنت على وشك الانهيار.

— فترة قد إيه؟

قال:

— الموضوع مش مهم.

— بالنسبة لي مهم.

سكت.

ثم قال:

— عندنا طفل.

اتجمدت.

— طفل؟

— ولد.

بصيت له كأن الكلام فقد معناه.

— إنت عندك ابن؟

— أيوه.

— من كلوديا؟

هز رأسه.

وبعدين قال بمنتهى الوقاحة:

— هو ابني… ودي حاجة أنا استنيتها سنين.

دموعي نزلت أخيرًا.

مش عشان العملية.

ولا عشان الموت.

عشان خمسة عشر سنة من عمري اكتشفت فجأة إنها كانت مبنية على كذبة.

أنا اللي كنت بقول لنفسي إن أحمد رغم عيوبه راجل محترم.

أنا اللي كنت بحاول أساعده.

أنا اللي كنت بسانده.

أنا اللي كنت بقول له:

“خد الفلوس دي وسدد ديون أبوك.”

“افتح مشروع.”

“غير عربيتك.”

“سافر وريح دماغك.”

أنا اللي كنت بعمل كل ده.

وفي الآخر…

كان شايفني عقبة في طريقه.

مد إيده بالورق.

— يلا يا ستي.

بصيت له.

— ولو رفضت؟

قال:

— يبقى براحتك.

ثم ابتسم وأضاف:

— بس لو حصل لك حاجة… هتكوني السبب في إن حياتي تتعقد.

هنا حصل شيء غريب.

لأول مرة من ساعة ما دخل الأوضة…

ما خفتش.

بالعكس.

حسيت إن عقلي بقى هادي جدًا.

هادي بشكل مخيف.

بصيت للأوراق.

وبعدين بصيت له.

وقلت:

— اديني القلم.

اتسعت عينه.

— هتمضي؟

— أيوه.

ابتسم.

ناولني القلم.

إيدي كانت بتترعش بسبب التعب والمحاليل.

وقعت.

صفحة.

وبعدها صفحة.

لحد ما وصلت لآخر ورقة.

وقعت اسمي كامل.

سلمى محمود.

أحمد خطف الورق من إيدي بسرعة.

وقف.

— أخيرًا فهمتي.

بصيت له.

— مبروك.

ابتسم.

— ربنا يقومك بالسلامة.

اتجه للباب.

استنيت منه يلتفت.

يمكن يندم.

يمكن يقول كلمة.

يمكن حتى يبص في وشي.

لكنه خرج.

من غير ما يقبلني.

من غير ما يقول إنه بيحبني.

من غير حتى ما يقول:

“هستناكي بره.”

ولما الباب اتقفل…

مسحت دموعي.

ومسكت تليفوني.

واتصلت برقم واحد فقط.

المحامي بتاعي.

أول ما رد قلت:

— أستاذ سامح؟

— أيوه يا مدام سلمى.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *