جلست على كرسي متحرك في ليلة خطوبتي… ثم شغّلت تسجيل خيانة خطيبتي أمام خمسمائة شخص! كانت فلاشات الكاميرات بتضرب في وشي من كل ناحية، لكن ولا فلاش فيهم كان أقوى من النظرة اللي كانت في عيني خطيبتي. نظرة مليانة غضب… وكره… وخوف. كنت قاعد على كرسي متحرك في منتصف قاعة أفخم فندق في القاهرة، وحواليّ أكتر من خمسمائة شخص من رجال الأعمال والشخصيات المعروفة. الليلة دي كان المفروض تكون ليلة خطوبتي على فريدة. البنت اللي حبيتها. أو على الأقل… كنت فاكر إني حبيتها. اسمي آدم الشاذلي، عندي شركة كبيرة للعقارات، والناس كلها كانت شايفاني رجل أعمال ناجح، حياتي كاملة، فلوسي كتير، ومستقبلي مضمون. لكن محدش كان يعرف إن حياتي اتكسرت من تلات سنين في حادثة عربية. حادثة خلتني أفقد القدرة على المشي. ومن يومها وأنا بتعامل مع الكرسي المتحرك كأنه جزء من جسمي. في البداية كنت رافض أخرج من البيت. كنت حاسس إن كل الناس بتبصلي بشفقة. لكن مع الوقت رجعت شغلي، ونجحت أكتر من الأول. وكنت فاكر إن فريدة هي الإنسانة الوحيدة اللي شايفاني آدم… مش الرجل اللي على كرسي متحرك. لكن الحقيقة كانت أبشع بكتير. قبل الحفلة بأسبوعين، بدأت أحس إن فريدة اتغيرت. ضحكتها اختفت. بقت بتقفل موبايلها أول ما أدخل. وبقت تخرج للبلكونة بالساعات تتكلم في التليفون بصوت واطي. ولما أسألها: — بتكلمي مين؟ كانت تبتسم وتقول: — شغل يا آدم… متبقاش شكاك. لكن كان في حاجة جوايا بتقول إن الموضوع مش شغل. لحد ما في يوم قررت أعرف الحقيقة. اتصلت بواحد من أشهر المحققين الخاصين في القاهرة، اسمه محمود رأفت. وقلت له: — أنا مش عايز فضايح، ومش عايزك تأذي حد. أنا بس عايز أعرف الحقيقة. بعد أسبوع، طلب يقابلني. دخل مكتبي وحط فلاشة صغيرة على الترابيزة. وقال: — قبل ما تسمع التسجيلات… لازم تكون مستعد لأي حاجة. بصيت له وقلت: — أنا مستعد. شغّل أول تسجيل. وصوت فريدة طلع من السماعات. كنت سامع صوتها وهي بتضحك. وبعدين سمعت صوت راجل. كريم منصور. رجل أعمال منافس ليا، وكنت أعرفه من سنين. قال لها: — هو مصدق إنك بتحبيه؟ ضحكت فريدة وقالت: — آدم؟ ده مصدق أي حاجة أقولهاله. سكتُّ. قلبي بدأ يدق بسرعة. ثم قالت: — أنا مستنية الجواز بس. كريم سألها: — وبعد الجواز؟ ردت بكل برود: — هنخلص منه. إيدي اتجمدت فوق المكتب. لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه جاية. قال كريم: — والاتفاق؟ ردت: — كله تمام. المحامي بيجهز الورق. هنطعن على اتفاق ما قبل الجواز، وبعدها فلوسه كلها هتبقى تحت إيدنا. ثم ضحكت وقالت جملة عمرها ما هتخرج من دماغي: — هو أصلًا مش هيقدر يعمل حاجة… ده حتى مش قادر يقف على رجليه. قفلت التسجيل. فضلت باصص قدامي. كنت ممكن أصرخ. كنت ممكن أكسر المكتب. كنت ممكن أروح لها وأسألها ليه. لكنّي عملت العكس. ابتسمت. وقلت لمحمود: — خلي كل حاجة مستمرة. بص لي باستغراب. — يعني إيه؟ قلت: — الخطوبة هتتم. في نفس الوقت، كانت في ست واحدة في البيت محدش كان بياخد باله منها. اسمها سعاد. كانت بتشتغل عندي من حوالي سنتين. ست بسيطة، هادية، مبتتكلمش كتير. كانت بتنضف البيت، وتحضر الأكل، وتمشي في حالها. لكن كان في حاجة غريبة فيها. كانت دايمًا بتراقبني من بعيد. وفي كل مرة كنت أقع أو أحتاج مساعدة، كانت بتكون أول واحدة توصل لي. مرة سألتها: — يا سعاد، إنتِ ليه مهتمة بيا أوي؟ ابتسمت وقالت: — عشان حضرتك إنسان محترم يا آدم بيه. ما اهتمتش بكلامها وقتها. لكن بعدين اكتشفت إن سعاد كانت بتعرف عن حياتي أكتر مما كنت أتخيل. كانت عارفة إن فريدة بتخرج. وعارفة مواعيد مقابلاتها. وعارفة إن كريم كان بييجي يقابلها. وفي ليلة قبل الحفلة بيوم، دخلت سعاد مكتبي وقالت: — آدم بيه… أنا ممكن أقول لحضرتك حاجة؟ قلت: — قولي. اترددت شوية، وبعدين قالت: — الست فريدة مش بتحبك. ابتسمت بحزن. — أنا عارف. اتصدمت. — عارف؟ قلت: — وعارف أكتر مما تتخيلي. سكتت. وبعدين قالت: — طب حضرتك ليه مكمل؟ بصيت لها وقلت: — عشان اللي بيحفر حفرة لحد… ساعات لازم يسيبه يكمل الحفر لآخرها. سعاد فهمت. ومن اللحظة دي… عرفت إني مش ضحية. جاء يوم الحفلة. القاعة كانت مليانة ورد وإضاءة وكاميرات. فريدة دخلت بفستان غالي جدًا، والناس كلها قامت تبصلها. قربت مني وابتسمت للكاميرات. حطت إيدها على كتفي وقالت: — مبروك يا حبيبي. بصيت لها وقلت: — مبروك علينا. لكن جوايا كنت بقول: مبروك عليكي آخر ليلة هتقدري تمثلي فيها. بدأت الحفلة. بعد شوية، طلع واحد من الصحفيين وسألني: — آدم بيه، إمتى الفرح؟ ابتسمت. وقلت: — قريب جدًا. فريدة بصت لي بسعادة. كانت فاكرة إن كل حاجة ماشية زي ما هي عايزة. رفعت الميكروفون وقلت: — بس قبل ما نكمل… عندي مفاجأة صغيرة. الإضاءة اطفأت. الشاشة الكبيرة اللي ورا المسرح اشتغلت. وفي أول ثانية… ظهر اسم كريم منصور. فريدة اتجمدت. وبعدين بدأ التسجيل. صوت كريم. وصوت فريدة. والكلام اللي بينهم. القاعة كلها سكتت. حدش اتكلم. حدش حتى اتحرك. وبعدين ظهرت على الشاشة رسائل بينهم. رسائل حب. مواعيد مقابلات. خطط للسيطرة على أموالي. وأدلة على التلاعب في أوراق الزواج. فريدة بقت بيضا. بصت لي. — آدم… إنت عملت إيه؟ قلت بهدوء: — أنا؟ ولا حاجة. ثم أضفت: — أنا بس خليت الحقيقة تتكلم. بدأت الهمهمات في القاعة. بعض الناس قاموا من أماكنهم. صحفيين بدأوا يصوروا. وفجأة فريدة فقدت أعصابها. صرخت: — إنت مجنون! قلت: — ممكن. صرخت: — إنت فضحتني! رديت: — أنا؟ التسجيلات هي اللي فضحتك. اقتربت مني وهي ترتعش من الغضب. وقالت: — أنا كنت هتجوزك عشان أستر عليك! الجملة دي كانت كفيلة إنها تكشف حقيقتها أكتر. قلت: — تستريني؟ ثم نظرت للكرسي المتحرك. — ولا كنتِ مستنية تموتي من الضحك وإنتِ بتاخدي فلوسي؟ فجأة رفعت إيدها. وكانت ناوية تضربني قدام كل الناس. أنا ما قدرتش أتحرك. غمضت عيني. لكن قبل ما إيدها توصل لوشي… يد قوية مسكت رسغها. فتحت عيني. كانت سعاد. الخادمة الهادية اللي محدش كان بياخد باله منها. لكن إيدها كانت ثابتة جدًا. قالت لفريدة: — مش هتلمسيه. فريدة صرخت: — إنتِ مين عشان تتدخلي؟ سعاد بصت لها وقالت: — واحدة عارفة حقيقتك من زمان. سادت حالة صمت غريبة. فريدة سحبت إيدها وقالت: — إنتِ بتتكلمي كأنك كنتِ موجودة! سعاد ردت: — كنت موجودة فعلًا. ثم أخرجت من حقيبتها ظرفًا أسود. وحطته قدامي. قالت: — ده اللي حضرتك طلبتيه مني من شهر. فتحت الظرف. وكان فيه صور. صور لفريدة وهي بتقابل كريم. وصور لسيارة كريم قدام بيتها. ومستندات تثبت إنهم كانوا بيزوروا أوراق تخص الشركة. لكن المفاجأة الأكبر كانت صورة قديمة. صورة لوالد فريدة وهو بيقابل كريم. قلت: — إيه ده؟ سعاد قالت: — دي بداية الحكاية. اتضح إن الموضوع مش مجرد خيانة. كريم كان عايز شركتي من زمان. وكان عارف إن نقطة ضعفي هي ثقتي في الناس. وفريدة كانت مجرد جزء من الخطة. لكن سعاد كان عندها سبب شخصي جدًا إنها تراقبهم. والدها كان موظف حسابات سابق في شركة كريم. واكتشف عمليات فساد كبيرة. ولما حاول يفضحهم، اتلفقت له قضية وخسر شغله. ومن يومها وهي بتحاول تجمع الأدلة. كانت سعاد بتشتغل عندي لأنها كانت تعرف إن كريم هيحاول يوصل لي. وكانت بتحاول تحميني من غير ما أعرف. بصيت لها وقلت: — ليه ما قولتيليش؟ ردت: — لأن لو كنت قلت لحضرتك من البداية… كانوا هيعرفوا إني بكشفهم. في اللحظة دي دخلت الشرطة. وكان محمود رأفت معاهم. تم القبض على كريم بعد ما اتضح إن التسجيلات والمستندات اللي معانا كانت جزءًا من ملف كامل ضد المجموعة. أما فريدة، فكانت بتعيط وتقول: — آدم… اديني فرصة. بصيت لها لأول مرة من غير حب. وقلت: — الفرصة كانت يوم حبيتك. ثم أضفت: — إنما النهارده… أنا مش بخسر خطيبتي. سكتُّ لحظة. — أنا بخسر وهم كنت فاكره حب. خرجت فريدة من القاعة وسط نظرات الناس. لكن الحكاية ما انتهتش هنا. بعد أسبوع، وصلني ظرف من المحامي. كان فيه كل المستندات اللي تثبت إن اتفاق ما قبل الزواج سليم، وإن محاولتهم لتزوير الأوراق فشلت. الشركة كمان نجت. لكن أهم حاجة حصلت بعد كل ده… كانت إني بدأت أشوف حياتي بشكل مختلف. كنت فاكر إن الكرسي المتحرك هو اللي منعني من الدفاع عن نفسي. لكن اكتشفت إن الإنسان مش بيتقاس بقدرته على الوقوف على رجليه. بيتقاس بقدرته على الوقوف قدام الخيانة… وما يقعش. بعد شهور، سعاد قررت تسيب الشغل. طلبت منها تفضل. لكنها قالت: — أنا كنت محتاجة أتأكد إنك بقيت بخير. قلت لها: — وإنتِ؟ مين هيحميكي؟ ابتسمت. — أنا اتعلمت أحمي نفسي من زمان. ضحكت. وقلت: — طب استني. مديت لها ظرف. فتحته. كان فيه أوراق شركة جديدة. قلت: — دي شركة صغيرة أنا هبدأها ليكي. بصت لي بدهشة. — ليه؟ قلت: — عشان الناس اللي بتقف جنبنا وقت الشدة… عمرهم ما يبقوا مجرد موظفين. دمعت عينيها. وقالت: — أنا عملت ده عشان إنسانيتك. قلت: — وأنا بعمل ده عشان إنسانيتك. ومن يومها بدأت حياة جديدة. مش حياة رجل أعمال على كرسي متحرك. ولا حياة رجل خسر خطيبته. لكن حياة رجل اكتشف متأخر إن بعض الناس لما يخرجوا من حياتنا… مش بيكسرونا. بيفتحوا لنا الباب عشان نعيش من غيرهم. أما فريدة وكريم، فتحولت قضيتهم لمحاكمة طويلة، وانتهت بإدانتهم في القضايا التي ثبتت فيها الأدلة ضدهم. وأنا؟ اتعلمت أهم درس في حياتي: ما تخافش من الخيانة… خاف إنك تعرف الحقيقة وتفضل متمسك بالكذبة. لأن أصعب لحظة مش لما تعرف إن حد خانك… أصعب لحظة هي لما تكتشف إن الشخص اللي كنت مستعد تخسر الدنيا عشانه… كان مستعد يخسرك عشان الدنيا.** تمت عالم حكايات مريم