زواج مدني بقلم فاتن سليم الجزء الاول


الفصل الأول: بداية الحكاية
كانت شمس أكتوبر الدافئة تملأ ساحة الجامعة، والطلاب يتنقلون بين المدرجات وهموم الدراسة تسبقهم بخطوات.
كانت فاطمة تسير مسرعة وهي تحتضن كتبها بين ذراعيها. فتاة في العشرين من عمرها، هادئة الطباع، متفوقة في دراستها، تربت في بيت محافظ تعلمت فيه أن الأخلاق قبل كل شيء.
وفي أثناء صعودها درجات مبنى الكلية، اصطدمت بأحد الطلاب.
تناثرت الكتب من يدها على الأرض.
انحنى الشاب بسرعة يساعدها وهو يقول بابتسامة مرتبكة:
ـ أنا آسف جدًا… والله ما كنت واخد بالي.
رفعت فاطمة عينيها إليه للحظة ثم أسرعت تجمع كتبها.
ـ حصل خير.
لكنها لاحظت شيئًا غريبًا.
لهجته لم تكن مصرية خالصة.
كان يتحدث العربية بطلاقة، لكن بنبرة مختلفة قليلًا.
ناولها آخر كتاب وقال:
ـ اسمي يوسف.
اكتفت بهزة خفيفة من رأسها وغادرت.
ظنت أن الأمر انتهى عند هذا الحد.
لكن القدر كان يخطط لشيء آخر.
بعد أيام قليلة، فوجئت به يجلس في الصف المجاور لها داخل المحاضرة.
ومع مرور الأسابيع، بدأت تجمعهما مشاريع الدراسة والأبحاث الجماعية.
اكتشفت أنه شاب ذكي ومتفوق ويحمل أحلامًا كبيرة.
وكان يوسف بدوره ينجذب أكثر فأكثر إلى هدوئها ورزانتها.
في البداية كانت أحاديثهما تدور حول الدراسة فقط.
ثم تحولت إلى أحاديث عن الأحلام والمستقبل.
ثم عن الحياة نفسها.
شيئًا فشيئًا أصبح وجود أحدهما جزءًا من يوم الآخر.
إذا غابت فاطمة عن الجامعة شعر يوسف أن اليوم ناقص.
وإذا لم تره فاطمة كانت تجد نفسها تبحث عنه بين الوجوه دون أن تشعر.
في إحدى الأمسيات كانا يجلسان داخل مكتبة الجامعة.
قال يوسف وهو يغلق كتابه:
ـ عمرك فكرتي تكملي دراستك برا مصر؟
ابتسمت فاطمة.
ـ نفسي أكمل ماجستير… بس كل حاجة بإيد ربنا.
نظر إليها مطولًا.
ثم قال بصوت منخفض:
ـ وأنا نفسي أكون جزء من مستقبلك.
تسارعت دقات قلبها.
وحاولت التظاهر بالانشغال في الكتاب.
لكنها لم تستطع منع ابتسامتها.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد أي منهما قادرًا على إنكار الحقيقة.
لقد وقع كل منهما في حب الآخر.
كانت فاطمة تعلم أن أهلها لن يقبلوا بسهولة أي علاقة قبل الزواج.
لذلك أخفت الأمر عن الجميع.
حتى صديقاتها المقربات لم يعرفن شيئًا.
أما يوسف فكان يحرص على ألا يراهما أحد معًا خارج أسوار الجامعة.
كانا يلتقيان في المكتبة أو ساحة الكلية فقط.
ويتحدثان عبر الهاتف لساعات طويلة بعد عودتهما إلى المنزل.
كل واحد منهما يعيش على صوت الآخر.
ويحلم باليوم الذي يجمعهما تحت سقف واحد.
مرت الشهور.
وكبر الحب.
وأصبح الحديث عن الزواج يتكرر كثيرًا بينهما.
قالت له ذات يوم:
ـ لو بابا رفض؟
أجاب بثقة:
ـ هفضل أحاول لحد ما يوافق.
ـ ولو ما وافقش؟
اقترب منها بنظراته وقال:
ـ مستحيل أسيبك يا فاطمة.
شعرت يومها بالأمان.
وصدقت كل كلمة قالها.
لم تكن تعلم أن الطريق أمامهما مليء بالعقبات.
وأن السر الذي يخفيه يوسف سيقلب حياتهما رأسًا على عقب.
سر لم تكن تعرفه بعد.
لكن الأيام كانت تقترب من كشفه.
وعندما يُكشف…
لن تبقى حياتهما كما كانت أبدًا. :::



