عمتي اتصلت
يبدو أن الله كان ضيف الشرف في النميمة.
وقفت نورا ببطء، تضع يدها على بطنها، وسكت الجميع.
“عايزة أقول حاجة…” قالت بصوت متأثر.
“اليوم مهم ليا، بس كمان عايزة أتكلم عن أختي مريم.”
شعرت ببرودة.
كنت أعرفها جيداً.
“هي تعبت كتير… وفقدان حلم الأمومة حاجة صعبة محدش فينا يقدر يتخيلها.”
تنهدت النساء.
أمي مسحت دمعة.
نورا نظرت لي بنظرة مزيفة:
“حتى لو يمكن عمرها ما يكون عندها أولاد… بنتي دايماً هيكون لها مكان عندها. مريم هتكون أحسن خالة في الدنيا.”
تصفيق.
ثلاثون امرأة تصفق لجائزة تعزية.
أمسكت أمي يدي:
“بطّلي تمثيل يا بنتي… الفلوس مش بتعوض، ولا النجاح بيحضن. لازم تتقبلي اللي ضاع منك.”
نظرت لها بثبات:
“وإنتِ شايفة إني إيه؟”
ردت عمّتي قبلها:
“واحدة لوحدها.”
نورا همست:
“واحدة ناقصة.”
نظرت إلى الساعة.
2:59 مساءً.
تنفست بعمق.
ست سنوات وأنا أسمع.
ست سنوات وأنا أسمح لهم يحولوا صمتي إلى اعتراف.
ست سنوات وأنا أحمي حياتي منهم.
أمي ضغطت على يدي:
“لازم تتقبلي إن الفرصة راحت.”
ابتسمت.
ابتسامة هادئة… لكنها أخافتهم أكثر من بكائي.
وفي تمام الثالثة…
انفتحت أبواب القاعة.
دخلت أولاً “أمينة” المربية، تدفع عربة أطفال ثلاثية.
بداخلها توأمي الثلاثي: سارة، ملك، وآدم… عمرهم ثلاث سنوات.
ثم ظهر زوجي، الدكتور “كريم حسام”، بملابسه الجراحية، يحمل طفلينا التوأم بعمر تسعة أشهر: ياسين ويوسف.
القاعة صمتت تماماً.
صرخت سارة عندما رأتني:
“ماما!”
وفي تلك اللحظة… انهار كل شيء.
ولا أحد كان مستعداً لما سيحدث بعد ذلك…
الصوت الصغير اللي قال “ماما!” كأنه شقّ القاعة نصفين.
كل العيون اتجهت نحوي… ثم نحو الأطفال… ثم نحو زوجي.
أمي كانت أول من سحب يدها من يدي، وكأنها لمست ناراً.
“إيه ده…؟” همست، وعينيها تتسعان بصدمة.
عمّتي سعاد وقفت فجأة، الكرسي احتك بالأرض بصوت مزعج.
“الأطفال دول… لمين؟”
لم أرد.
لم أحتج أن أتكلم.
سارة حاولت النزول من العربة، فركضت نحوها واحتضنتها، ثم لحقت بها ملك وآدم وهم يضحكون:
“ماما! ماما!”
خمسة أطفال… ينادونني بنفس الكلمة التي قالوا إنني لن أسمعها أبداً.
شعرت بذراع دافئة تحيط بكتفي.
كان كريم.
نظر إلى الجميع بهدوء الطبيب الذي اعتاد على أصعب اللحظات، ثم قال بصوت واضح:
“واضح إن في سوء تفاهم كبير هنا… أو يمكن كذبة عايشة بقالها سنين.”