عمتي اتصلت
لكن الحقيقة دي…
كانت مجرد البداية.
لم أصل إلى باب القاعة حتى سمعت صوت كعبٍ يركض خلفي.
“مريم! استني!”
كانت نورا.
التفتُّ ببطء، بينما كنت أمسك يدَي سارة وملك، وكريم يحمل الصغيرين، وآدم متعلق بملابسي.
نورا كانت تبكي… لكن ليس بنفس دموع الشفقة التي رأيتها طوال السنوات الماضية.
كانت دموع ارتباك… وربما لأول مرة، إحساس بالخسارة.
“أنا… أنا ما كنتش أعرف…” قالت وهي تلهث.
نظرت لها بهدوء:
“إنتي ما حاولتيش تعرفي.”
صمتت.
جملة بسيطة… لكنها كانت كفيلة تهدّ كل شيء.
اقتربت خطوة:
“ست سنين يا نورا… ولا مرة سألتِني أنا كويسة؟ ولا مرة قولتي يمكن مريم تكون أقوى من اللي إحنا متخيلينه.”
انخفضت عيناها إلى الأرض.
“إحنا كنا فاكرين بنحميك…” تمتمت.
ابتسمت بسخرية خفيفة:
“الحماية عمرها ما كانت كذبة.”
في تلك اللحظة، خرجت أمي من القاعة، تمسك طرف بابها وكأنها تحتاج شيئاً تتكئ عليه.
“مريم… ارجعي بس نتكلم.”
التفتُّ إليها أخيراً.
وجهها لم يعد ذلك الوجه الواثق… كان هشّاً، خائفاً.
“نتكلم عن إيه يا ماما؟ عن كل مرة سمعتي فيها حد بيقولي (عاقر) وسكتي؟ ولا عن كل مرة بصيتيلي بنظرة شفقة وكأن حياتي انتهت؟”
بدأت تبكي بصوت أعلى:
“كنت خايفة تتكسري…”
أجبتها بثبات:
“أنا اتكسرت فعلاً… بس مش من الحادثة. اتكسرت منكم.”
الصمت نزل عليهم كصفعة.
كريم شد على يدي بهدوء، وكأنه يذكرني أنني لست وحدي.
نورا رفعت رأسها فجأة:
“طب وإحنا بالنسبة لك إيه دلوقتي؟”
نظرت لها طويلاً…
سؤال كان لازم ييجي.
“أنتم أهلي…” قلتها ببطء،
“بس مش أماني.”
انكمشت ملامحها.
أمي اقتربت خطوة:
“يعني إيه؟”
تنفست بعمق.
“يعني مش كل حد اسمه عيلة… يبقى مكانه في حياتي زي زمان.”
سارة شدت على فستاني:
“ماما… نمشي؟”
نزلت لمستواها وابتسمت:
“آه يا حبيبتي… نمشي.”
ثم وقفت مرة أخرى، ونظرت إليهم للمرة الأخيرة.
“أنا مش محتاجة اعتذار قدام الناس… ولا دموع في لحظة إحراج. لو فعلاً عايزين تصلحوا حاجة… ابدأوا بنفسكم.”
ثم استدرت.
هذه المرة… لم يوقفني أحد.
خرجت من القاعة، والهواء في الخارج كان مختلف… أخف.
كأنني لأول مرة منذ ست سنوات… أتنفس بجد.
ركبنا السيارة.
الأطفال بدأوا يتكلمون مع بعض بحماس، يحكون عن الحلوى والزينة، وكأن شيئاً لم يحدث.
كريم نظر إليّ بابتسامة هادئة:
“ندمتي إننا جينا؟”
هززت رأسي:
