عمتي اتصلت

صمت ثقيل سقط على القاعة.

نورا تراجعت خطوة، ويدها على بطنها، وكأنها تحاول استيعاب المشهد.

“مريم… إنتي… إنتي خلفتي؟ إزاي؟”

ابتسمت لها، نفس الابتسامة الهادئة التي أرعبتهم قبل دقائق.

“نفس الطريقة اللي كل الناس بتخلف بيها يا نورا.”

همهمة خفيفة انتشرت بين الحضور.

عمّتي سعاد حاولت التماسك:

“بس… الدكتور قال—”

قاطعها كريم بهدوء:

“أنا الدكتور.”

التفتت إليه الأنظار.

“والتقرير اللي بيتكلموا عنه كان بيقول (احتمال وجود صعوبة)… مش استحالة. بس واضح إن حد قرر يحوّل الاحتمال لحكم نهائي.”

كل العيون تحولت نحو أمي.

وجهها شحب.

“أنا… أنا كنت خايفة عليها…” قالت بصوت مهزوز.

ضحكت ضحكة خفيفة، لكنها كانت مليئة بسنوات من الألم.

“خايفة عليا… ولا خايفة من شكلك قدام الناس؟”

لم ترد.

كريم أكمل:

“مريم حملت بعد الحادثة بسنة. والتوأم الأول كانوا معجزة صغيرة… وبعدها ربنا رزقنا بالتوأم التاني.”

نظرت إلى نورا، التي لم تعد قادرة على رفع عينيها نحوي.

“بس إحنا قررنا نعيش حياتنا بعيد… بعيد عن الشفقة، وعن الكلام اللي بيقتل ببطء.”

صديقتها “دينا” تمتمت:

“يعني… كل ده… كان كذب؟”

نظرت لها مباشرة:

“لا… مش كذب. كان اختيار. اختيارهم إنهم يصدقوا أسوأ احتمال عني… واختياري إني ما أشرحش حياتي لحد.”

عمّتي سعاد حاولت تضحك بسخرية:

“طيب وإيه يعني؟ جبتِ عيال… خلاص بقيتي كاملة؟”

هذه المرة… لم أبتسم.

اقتربت منها خطوة، والأطفال متعلقين بي.

“أنا كنت كاملة قبلهم… وهفضل كاملة حتى من غيرهم. الفرق الوحيد إنكم ما كنتوش شايفين ده.”

الصمت كان أقسى من أي رد.

أمي بدأت تبكي:

“ليه يا مريم؟ ليه خبّيتي علينا؟”

أجبت بهدوء:

“عشان أول يوم سمعتوا فيه كلمة (يمكن)… حولتوها لـ(مستحيل). وما سألتوش… ولا مرة.”

نورا جلست ببطء على الكرسي، وكأن الأرض لم تعد ثابتة تحتها.

“وكل اللي قولناهولك النهارده…”

قاطعتها:

“كان حقيقي… بس عنكم، مش عني.”

ثم نظرت حولي.

الزينة… الضحكات المزيفة… التصفيق اللي كان لسه من شوية.

كل شيء فجأة أصبح فارغاً.

أمسكت يد كريم، ونظرت لأطفالي.

“يلا يا حبايبي.”

وأنا أتحرك نحو الباب، سمعت صوت أمي خلفي:

“مريم… استني!”

توقفت لحظة… دون أن ألتفت.

“أنا مش زعلانة عشان اللي اتقال النهارده… أنا زعلانة عشان صدّقتوه ست سنين.”

ثم خرجت.

وخلفي… كانت القاعة التي صنعت مني قصة حزينة… تنهار تحت ثقل الحقيقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *