قالت ابنتي

أما حيدر…

فتجمد في مكانه.

ثم أضافت زهراء وهي تنتحب:

“أبي هو من طلب مني أن أقول ذلك.”

توقف الزمن.

ولم يكن ذلك النوع من الحقائق التي تمنح الراحة.

لم يكن كشفًا نقيًا.

ولا خلاصًا.

ولا نهاية سعيدة.

بل كان اعترافًا متأخرًا.

قذرًا.

مروعًا.

وغير قابل للمغفرة.

كنت أسمع دقات قلبي تتردد داخل رأسي.

كأنها طبول حرب لا تتوقف.

أما علي…

فلم ينطق بكلمة واحدة.

واصلت زهراء حديثها بين شهقات البكاء.

وقالت:

“أبي أخبرني أنك لست ابنه الحقيقي.”

شعرت ببرودة تسري في أطرافي.

وأضافت وهي ترتجف:

“قال لي إن أمي تحبك أكثر مني.”

“وقال إنك إذا غادرت البيت فلن يبقى عندها أحد غيري.”

“وإنها ستحبني أنا فقط.”

انهمرت دموعها أكثر.

وقالت:

“كنت خائفة.”

“وبعدها لم أستطع قول الحقيقة.”

“الجميع كانوا يكرهونك.”

“وكنت أخشى أنه إذا اعترفت، سيكرهونني أنا أيضًا.”

شحُب وجه حيدر فجأة.

وقال بصوت متوتر:

“إنها تهذي.”

استدار علي نحوه ببطء.

ولم يرفع صوته.

ولم يغضب.

بل قال بهدوء مخيف:

“لقد ضربتني.”

حاول حيدر أن يثبت نظره في عينيه.

لكنه فشل.

فأكمل علي:

“وأنت…”

ثم التفت نحوي.

“كنتِ تشاهدينني وأنا أطلب منكِ المساعدة.”

شعرت بأن قلبي يتمزق.

مددت يدي نحوه دون وعي.

أردت لمسه.

أردت أن أقول أي شيء.

أي شيء.

لكنه تراجع خطوة إلى الخلف.

وقال:

“لا.”

كانت تلك الكلمة أشد إيلامًا من أي صراخ.

أما زهراء فكانت تبكي فوق السرير.

وقالت بصوت متهالك:

“أنا لا أطلب منك التبرع بكليتك.”

“ليس من حقي أن أطلب ذلك.”

“كنت فقط أريد أن أقول الحقيقة قبل أن أموت.”

أغمض علي عينيه.

لثانية واحدة فقط.

وظننت أنه سينهار.

وظننت أن ذلك الجدار الذي بناه حول نفسه سيتصدع أخيرًا.

لكنه فتح عينيه من جديد.

وعندها أدركت أن الفتى الذي طردناه من المنزل قد اختفى منذ زمن.

كان يقف أمامنا رجل آخر.

رجل عاش وحده.

ونجا وحده.

وبنى نفسه بعيدًا عنا.

قال بهدوء:

“لا تنتظروا مني شيئًا آخر.”

ثم استدار وغادر.

ركضت خلفه في الممر.

وأنا أصرخ:

“علي… أرجوك.”

لكنه واصل السير.

قلت:

“علي… زهراء تموت.”

توقف.

ثم استدار نحوي.

وقال:

“وعندما كنت أنا في الشارع…”

“ماذا قلتِ أنتِ؟”

عجزت عن الكلام.

ولم أجد جوابًا.

فأجاب هو بدلًا مني:

“لم تقولي شيئًا.”

ثم رحل.

في تلك الليلة…

وبدافع اليأس.

ارتكبت أسوأ خطأ في حياتي.

نشرت اسمه الكامل على مواقع التواصل الاجتماعي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *