قالت ابنتي

وكأن ابني الذي فقدناه منذ عامين…
كان يرسل إلينا آخر رسالة لن نفهمها إلا بعد فوات الأوان.
مرّ عام كامل.
وعادت زهراء إلى المدرسة.
كان بعض الطلاب يعرفون ما حدث.
والبعض الآخر سمع أجزاءً من القصة فقط.
لكنها لم تعد تختبئ خلف الأعذار.
ولم تعد تحاول الهروب من الحقيقة.
في إحدى المرات سمعتها تتحدث مع إحدى زميلاتها.
سألتها الفتاة عن الشائعات التي انتشرت حول عائلتنا.
فأجابت زهراء بهدوء:
“لقد كذبت بشأن أخي.”
“كنت طفلة تم التلاعب بها.”
“لكن ذلك لا يمحو الضرر الذي تسببت به.”
“وأحاول الآن أن أعيش بطريقة لا تدمر حياة أي شخص مرة أخرى.”
وقفت أستمع إليها من بعيد.
وشعرت بالألم.
ألم لا يمكن وصفه.
لكنني شعرت أيضًا بشيء آخر.
بشيء يشبه الفخر.
ليس بما حدث.
ولا بما فعلناه.
بل بشجاعتها في مواجهة الحقيقة دون أن تخفيها خلف الكلمات الجميلة.
أما أنا…
فقد تعلمت بدوري أن أقول الحقيقة كاملة.
عندما كان أحدهم يسألني عن علي…
لم أعد أقول:
“لا نعرف أين هو.”
بل أصبحت أجيب:
“ابني بريء.”
“وهو على قيد الحياة.”
“ومن حقه أن يبتعد عنا.”
في البداية…
كانت تلك الكلمات تحطم قلبي في كل مرة أنطق بها.
لكن مع مرور الوقت…
أصبحت الشيء الوحيد الذي يساعدني على الاستمرار.
لأنها كانت الشكل الوحيد من الحب الذي ما زال بإمكاني تقديمه له.
أن أتركه وشأنه.
ألا أطارده.
ألا أطلب منه شيئًا.
ألا أستخدمه مرة أخرى.
وألا أحول ألمه إلى وسيلة لتخفيف شعوري بالذنب.
ومر عام آخر.
ثم عام آخر.
وبعد عامين من عملية زراعة الكلية…
وصلت بطاقة بريدية إلى منزلنا.
لم يكن عليها اسم مرسل.
ولا عنوان يمكن الرد عليه.
كانت البطاقة تحمل صورة لطريق جبلي تحيط به أشجار الصنوبر.
وضباب خفيف يغطي المكان.
وطريق مبلل بمياه المطر.
أما على ظهر البطاقة…
فكانت هناك جملة واحدة فقط.
“أنهيت هذا الفصل الدراسي بنجاح.”
هذا كل ما كُتب.
لا أكثر.
ولا أقل.
حدقت زهراء في البطاقة طويلًا.
ثم بدأت تبكي بصمت.
اقتربت منها.
وضممتها إلى صدري.
كانت يداي ترتجفان.
لكنني كنت أفهم ما تشعر به.
علي يدرس.
علي بخير.
علي ما زال حيًا.
وعلي ما زال بعيدًا عنا.
وللمرة الأولى…
لم أشعر أن ابتعاده عقاب.
بل شعرت أنه عدالة.
عدالة تأخرت كثيرًا.
لكنها جاءت في النهاية.
في تلك الليلة…
وضعت زهراء البطاقة فوق مكتبها.
ولم تضعها في غرفة الجلوس.


