قالت ابنتي

ولم تعلقها على الحائط كأنها إنجاز عائلي.

بل احتفظت بها لنفسها.

كذكرى.

وكدرس.

وكحقيقة لا تريد نسيانها.

سألتها قبل النوم:

“تذكار لأي شيء؟”

نظرت إلى البطاقة.

ومررت أصابعها فوق الصورة ببطء.

ثم قالت:

“تذكار يذكرني بأن علي لا يدين لنا بنهاية سعيدة.”

صمتُّ.

لأنني كنت أعلم أنها محقة.

نعم، لم يكن يدين لنا بشيء.

لا بعودة.

ولا بمسامحة.

ولا بعائلة جديدة.

ولا حتى بقصة تنتهي كما نتمنى.

كل ما كان يدين به لنفسه هو أن يعيش.

وقد فعل ذلك.

أما نحن، فلم يبقَ لنا سوى أن نتعلم كيف نعيش مع الحقيقة.

لكن التعايش مع الحقيقة لا يعني الهروب من الذكريات.

فحتى بعد كل تلك السنوات…

ما زال علي يزورني في أحلامي.

أحيانًا أراه كما كان في تلك الليلة.

وجهه مغطى بالدماء.

وعيناه ممتلئتان بالخذلان.

وأحيانًا يقف أمامي بصمت.

ينظر إليّ مباشرة.

ثم يطرح السؤال نفسه الذي لم يفارقني منذ سنوات:

“لماذا يا أمي؟”

في الماضي…

كنت أحاول أن أجيبه.

كنت أبحث عن الأعذار.

وأرتب الكلمات.

وأقنع نفسي أنني كنت أحاول حماية زهراء.

لكنني لم أعد أفعل ذلك.

لأنني أدركت أن بعض الأسئلة لا تملك إجابات تكفي.

ولا تبريرات تشفي ما حدث.

ولهذا…

عندما أستيقظ الآن من تلك الأحلام…

أتوجه إلى غرفة زهراء.

أطمئن إلى أنها تتنفس بهدوء.

أتناول دوائي.

وأُعد فنجان قهوتي.

ثم أبدأ يومًا جديدًا.

يومًا أعيشه دون أكاذيب.

دون أعذار.

ودون محاولات للهروب من الحقيقة.

أعيشه كامرأة أخطأت.

وكأم فشلت.

وكإنسانة أدركت الحقيقة بعد فوات الأوان.

تعلمت أن تصديق طفل لا يعني تدمير طفل آخر.

ولا يعني إصدار الأحكام قبل الاستماع.

ولا يعني التخلي عن التحقيق والبحث والتأكد.

ولا يعني أن نحمي أحد الأبناء على حساب الآخر.

بل أن نحمي الجميع حتى تظهر الحقيقة كاملة.

علي لم يتبرع بكليته.

ولم يعد إلى المنزل.

ولم يعانقنا.

ولم ينقذ عائلتنا.

ورغم أن الاعتراف بذلك ما زال يؤلمني…

فقد كان محقًا.

لأن العائلة التي حطمتك…

لا يحق لها أن تطلب منك أن تكون الدواء الذي يشفي جراحها.

حصلت زهراء على كلية من شخص غريب.

وفقدت أنا الحق في أن أطلب أي شيء من ابني.

وفقد حيدر القدرة على تسمية كراهيته حمايةً أو أبوةً.

أما علي…

ذلك الابن الذي طردناه إلى الشارع ذات ليلة…

فكان الوحيد الذي فهم الحقيقة قبلنا جميعًا.

فهم أن بعض الأماكن لا يمكن النجاة فيها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *