قالت ابنتي

تم العثور على متبرع متوفى حديثًا.
وليس علي.
شخص غريب لا نعرفه.
عائلة أخرى كانت تعيش ألمها الخاص.
ومع ذلك وافقت على التبرع بأعضائه لإنقاذ آخرين.
عندما سمعت زهراء الخبر…
بكت.
ثم سألت بصوت خافت:
“ليست من علي؟”
أجبتها:
“لا.”
فغطت وجهها بكلتا يديها.
وهمست:
“الحمد لله.”
استغرقت العملية ساعات طويلة.
جلست خلالها أدعو الله.
رغم أنني لم أعد أعرف إن كان لي حق في طلب أي شيء.
لم أدعُ أن يعود علي إلينا.
ولم أدعُ أن يسامحني.
دعوت فقط أن يكون بخير.
أن يتناول طعامه في مكان دافئ.
أن ينام مطمئنًا.
ألا يتعرض للأذى بسبب ما فعلته به.
ودعوت أن تنجو زهراء…
دون أن يُجبر ابني على خسارة جزء آخر من نفسه.
ونجحت العملية.
نجت زهراء.
لكن الشفاء لم يأتِ دفعة واحدة.
خرجت من المستشفى محاطة بالأدوية.
وبندوب تركتها الجراحة.
وجلسات علاج طويلة.
ونظرة مختلفة تمامًا في عينيها.
لم تعد تلك الطفلة المرحة التي كانت تملأ المنزل ضجيجًا وحياة.
أصبحت فتاة تعرف حجم الكذبة التي يمكن أن تدمر حياة إنسان.
وتعرف أيضًا أن للصمت ثمنًا باهظًا.
أما حيدر…
فلم يعد إلى المنزل.
بدأت إجراءات قانونية طويلة.
وجلسات تحقيق.
وشهادات.
وأوامر قضائية.
لم يكن أي شيء مثاليًا.
ولم تنتهِ الفوضى بسرعة.
لكن القناع الذي كان يرتديه بوصفه الأب الحامي سقط إلى الأبد.
بعد ستة أشهر…
وصلت رسالة من علي.
أرسلها عن طريق محاميه.
فتحتها وأنا أرتجف.
وكان نصها قصيرًا.
لكنه كان أثقل من أي شيء قرأته في حياتي.
قال فيها:
“لا أرغب في أي تواصل مع حيدر.”
“ولا أرغب في أي تواصل مع مريم في الوقت الحالي.”
“يمكن لزهراء أن تكتب لي رسالة واحدة كل عام إذا رأى معالجها النفسي أن ذلك مناسب.”
“ولا أعد بالرد.”
“ولا تستخدموا اسمي أو صورتي أو قصتي للتخفيف من شعوركم بالذنب.”
“أنا على قيد الحياة.”
“هذا كل ما في الأمر.”
قرأت زهراء الرسالة مرتين.
ثم طوتها بعناية شديدة.
ووضعتها داخل صندوق صغير تحت سريرها.
وظلت تنظر إليه للحظات.
ثم همست:
“إنه حي.”
أومأت برأسي.
وقلت:
“نعم.”
سكتت قليلًا.
ثم سألت:
“ولن يعود، أليس كذلك؟”
شعرت بغصة في حلقي.
لكنني لم أجد جوابًا.
فالتفتت نحوي وقالت بهدوء يفوق عمرها بكثير:
“لا بأس يا أمي.”
“أحيانًا… إنقاذ نفسك يعني ألا تعود.”
تجمدت في مكاني.
كانت الكلمات خارجة من فم زهراء.
لكنها بدت وكأنها جاءت من علي نفسه.

