قالت ابنتي

ذهبت إليه وحدي.

لم أجرؤ على اصطحاب حيدر معي.

كنت أعلم أن علي قد لا يقبل حتى رؤيته.

عندما وصلت إلى المتجر، رأيته يقف خلف صندوق المحاسبة.

عرفته من اللحظة الأولى.

لكنه لم يعد ذلك الفتى الذي طردناه قبل عامين.

كان أنحف مما أتذكر.

وأكثر صمتًا.

وأكثر قسوة.

أطلق لحية قصيرة.

وكانت هناك ندبة صغيرة قرب حاجبه.

الندبة نفسها التي تركتها تلك الليلة.

ليلة ضربه والده أمام أعيننا جميعًا.

عندما رآني أدخل، لم يتحرك.

لم يبتسم.

ولم يبدُ عليه أي انفعال.

قلت بصوت مرتجف:

“علي…”

أغلق درج النقود بهدوء.

ثم قال كلمة واحدة فقط:

“لا.”

لا أكثر.

ولا أقل.

مجرد “لا”.

وانهارت كل الكلمات التي كنت قد أعددتها في طريقي إليه.

بكيت أمامه.

أخبرته عن زهراء.

وأخبرته أنها تصارع الموت.

وأخبرته أن الأطباء يحتاجون إلى إجراء الفحوصات.

وأن الوقت ينفد.

وأنها أخته.

عندها رفع عينيه نحوي.

ونظر إليّ بطريقة لم ينظر بها إليّ طوال حياته.

ثم قال:

“وأنا كنت ابنك أيضًا.”

شعرت وكأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدمي.

فتحت فمي لأجيب.

لكنني لم أجد أي جواب.

لأنه لم يكن هناك شيء يمكن قوله.

ولا اعتذار يكفي.

ولا كلمات تصلح ما حطمناه.

ومع ذلك…

جاء إلى المستشفى.

لم يفعل ذلك من أجلي.

ولم يفعله من أجل حيدر.

ربما فعله من أجل تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تناديه دائمًا:

“أخي علي.”

وتجري خلفه في أرجاء المنزل وهي تحمل دفاتر الرسم الخاصة بها.

عندما دخل علي غرفة العناية، كانت زهراء مستيقظة.

ضعيفة للغاية.

لكنها كانت مستيقظة.

ما إن رأته حتى انفجرت بالبكاء.

وقالت بصوت متقطع:

“علي…”

توقف عند الباب.

ولم يقترب خطوة واحدة.

رفعت زهراء يدها المرتجفة نحوه.

وقالت:

“سامحني.”

في تلك اللحظة شعرت بأن الهواء قد اختفى من الغرفة.

تقدم حيدر خطوة إلى الأمام.

وقال بسرعة:

“زهراء… لا تتكلمي.”

لكنها التفتت إليه.

وعندها فقط…

رأيت شيئًا لم أره قبل عامين.

الخوف.

الخوف الحقيقي.

ذلك الخوف الذي فشلت في ملاحظته عندما كانت طفلة.

هزت رأسها ببطء.

وهمست:

“لا…”

“لن أسكت بعد الآن.”

ظل علي ينظر إليها دون أن يرمش.

بينما كانت هي تبكي بكل ما تبقى فيها من قوة.

ثم قالت الكلمات التي مزقت عالمنا كله.

“لقد كذبت.”

توقفت أنفاسي.

وقالت:

“علي لم يلمسني أبدًا.”

“لم يفعل شيئًا.”

“ولا مرة واحدة.”

أحسست أن الغرفة تدور من حولي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *