دبلة للأنتقـــــــــــ.ام

عدّى الليل تقيل، وهي متغمضة بس مش نايمة. كل شوية تقوم تبص على الشباك، على الباب، كأنها مستنية هجوم أو فرصة. عقلها شغال، بيحسب، يخطط، يلعن اليوم اللي قررت فيه تكشفه.
مع أول نور صباح، سمعت خبط خفيف على الباب.
صوته جه هادي بس قاطع
اصحي
فتحت الباب وهي مكشرة
إيه؟ جاي تكمل سيطرتك؟
مدّ لها فنجان قهوة
قوتك محتاجة تركيز، مش أعصاب محروقة
مسكت الفنجان غصب عنها
مش متعودة آخد حاجة من أعدائي
ميل ناحيتها
وأنا مش متعود أقدّم حاجة للي بكرهه
سكتت لحظة
يعني إيه؟
ساب الكوباية على الترابيزة
يعني اللي بينا أعقد من كده
دخل وقعد على الكرسي، وفتح ملف
اللي كتبتيه عني نصه صح… والنص التاني ناقص
ضحكت بسخرية
آه طبعًا، كل سياسي فاسد بيقول كده
رفع عينه وبصلها
أنا لعبت في الوحل عشان أعرف أنضفه. بس إنتي شوفتي الوحل وسميته باسمي
قربت منه بعصبية
وأنت فاكرني هصدق؟
وقف، المسافة بينهم اتلغت
مش مهم تصدقي دلوقتي. المهم إنك تعيشي
قالت بتحدي
وأعيش تحت إيدك؟
مد إيده قدامها
تعيشي جنبي… لحد ما الحقيقة تطلع كاملة
إيدها كانت بترتعش، بس ما مدتـهاش
أنا مش صفقة
ابتسم نص ابتسامة
ولا أنا فارس أحلام. إحنا اتنين عارفين إن اللي جاي خطر
لفّ ومشي ناحية الباب
قدامك أسبوع. لو لقيتي طريقة تهربي وتعيشي، أنا أول واحد هبعد
وقف قبل ما يفتح
بس لو فشلتي… هتيجي بإرادتك
قفل الباب ومشي، وسابها واقفة وسط الأوضة.
لأول مرة تحس إن الهروب مش الحل الوحيد،
وإن الراجل اللي بتكرهه…
عارفها أكتر ما كانت متخيلة.
قعدت مكانها كتير بعد ما مشي، ماسكة الفنجان بإيدين بترتعش. كانت طول عمرها واثقة إن الهروب هو الحل، إن الجري بينقذ… بس المرة دي؟ الجري شكله مختلف، والعدو واقف ثابت مستني.
الأسبوع عدى تقيل.
مراقبة من بعيد، عربيات بتظهر وتختفي، تليفونها كل ما يرن تحس قلبها هيقف. وهو؟ ولا اتصال، ولا رسالة. وجوده كان تقيل حتى وهو مش موجود.
في آخر يوم قبل الخطوبة، كانت واقفة قدام المراية، لابسة جاكيت وسادة شعرها، شنطتها جاهزة. كل حاجة محسوبة. باب البيت مفتوح، الشارع فاضي… فرصة مثالية.
أول ما خطت خطوة بره، صوته جه من وراها
كنت متأكد إنك هتختاري اللحظة دي
لفّت بسرعة
بتتجسس عليا؟
قرب بهدوء
بس بحمي اللي رافض يحمي نفسه
ضحكت بمرارة
أنا ماشية… ومش راجعة
بصلها من فوق لتحت
لو كنتي تقدري تمشي فعلاً، ماكنتيش استنيتي الأسبوع كله
سكتت.
هو كمل
الخطر مش عليا… عليكي. اللي انتي كشفتيهم مش بيلعبوا سياسة، بيلعبوا دم
قربت منه خطوة لأول مرة
ولو اتجوزتك… هبقى في أمان؟
مد إيده ولمس طرف الشنطة
هتبقي في النص. لا أمان كامل ولا هروب كامل
رفعت عينيها فيه
وأنت؟ هتكون إيه بالنسبة لي؟
صوته نزل واطي
أقسى درع… وأخطر قيد
سحبت الشنطة من إيده
أنا مش ضعيفة
ابتسم، المرة دي من غير استفزاز
عارف… عشان كده اخترتك
عدّى من جنبها وفتح العربية
القرار قرارك. يا تمشي لوحدك في الضلمة… يا تيجي معايا وتواجهي النور اللي بيحرق
وقفت ثواني، الشارع قدامها، والعربية وراها.
أخيرًا لفت، فتحت باب العربية وقعدت.
قالت وهي باصة قدامها
بس اعرف حاجة واحدة… أنا لو دخلت الحرب دي، مش هطلع منها مكسورة
بص لها وهو بيدوّر العربية
وأنا عمري ما حبيت ست مكسورة
العربية اتحركت،
ومع أول إشارة، كانت عارفة إن الخطوبة مش اتفاق…
دي تحالف خطر،
بين اتنين بيعرفوا إن الحب أحيانًا بيبدأ
من قلب العداوة.
العربية ماشية، والمدينة قدامهم بتفوق واحدة واحدة. هي ساكتة، بس دماغها مولعة. بتحاول تفتكر آخر مرة ركبت عربية حد وهي مش حابة تكون جنبه… يمكن عمرها ما كانت.
قطع الصمت
ماتفرحش قوي… أنا موافقتش
رد وهو سايق بثبات
ولا أنا طلبت موافقة. طلبت شجاعة
لفّت له
إنت دايمًا بتتكلم كإنك ماسك كل الخيوط
ابتسم ابتسامة خفيفة
علشان فعلًا ماسكها… بس في خيوط واحدة بس مش في إيدي
سألته بعين حادة
إيه هي؟
بص لها ثانية ورجع الطريق
إنتي
وصلوا قدام مكان هادي، فيلا بعيدة عن الزحمة. نزل قبلها وفتح لها الباب، مش استعراض، عادة. دخلت وهي حذرة، عينها بتلف في كل ركن.
قال
ده مكان مؤقت. محدش يعرفه غيري
ردت
حبس تاني؟
قرب منها
اختباء… لحد ما نعدي العاصفة
قعدت على الكنبة، حاطة راسها بين إيديها
أنا مش ندمانة إني كشفتهم… بس كنت فاكرة إن الحق بيكسب لوحده
قعد قدامها، لأول مرة من غير مسافة
الحق محتاج ضهر. وإنتي كنتي ماشية لوحدك
رفعت عينيها
وأنت ليه قررت تبقى ضهري؟
سكت لحظة، وبعدين قال بصراحة مفاجئة
علشان شُفت نفسي فيكي… قبل ما أبقى الراجل اللي بتكرهيه
الكلمة علقت بينهم.
قامت وقفت
يبقى المشكلة أكبر من خطوبة
وقف هو كمان
أيوه… المشكلة إننا شبه بعض أكتر ما نحِب
قربت خطوة
لو حاولت تسيطر عليا، هكسر كل حاجة
رد بهدوء
ولو حاولتِ تهربي، هتتكسري لوحدك
بصوا لبعض، توتر، جذب، حرب مكتومة.
قالت أخيرًا
إحنا مش حكاية حب
ابتسم
ولا عمري قولت كده… إحنا حكاية نجاة
لفّت وشها ناحية الشباك، الدنيا برا بدأت تغيم.
عارفة إن اللي جاي أصعب،
وإن الراجل اللي واقفة قدامه مش منقذ ولا جلاد،
هو اختبار.
وهي؟
أول مرة ما تهربش. الهدوء كان مخيف.
الفيلا واسعة بس فاضية، صوت نفسها مسموع، وصوت خطواته وهو ماشي في المطبخ عامل توتر أكتر من أي خناقة.
قاطع الصمت
هتفضلي واقفة كده كتير؟
ردت من غير ما تبص
مش متعودة أحس إني محاصَرة
قرب منها وحط كوباية مية على الترابيزة
إنتي مش محاصَرة… إنتي محمية غصب عنك
لفّت بعصبية
مافيش فرق
بصلها بتركيز
في فرق كبير. المحاصَر بيتسحب منه الاختيار… إنتي لسه بتختاري
ضحكت ضحكة قصيرة
اختيار إيه؟ واحد طريقه مقفول والتاني كله دم
قرب خطوة، بس وقف قبل ما يلمسها
عارفة أكتر حاجة مستفزة فيكي إيه؟
رفعت حاجبها
إنك لسه بتتكلم؟
ابتسم
إنك فاكرة إنك لوحدك اللي بتدفع تمن الشجاعة
سكتت.
الكلمة دخلت غصب.
كمل بهدوء
اللي كشفتيهم… دول عايزينك تختفي. مش تهديد، واقع. وأنا الوحيد اللي يقدر يوقف ده دلوقتي
قالت بصوت واطي
وليه تعمل كده؟ علشاني؟ ولا علشان صورتك؟
قرب أكتر، المرة دي قريب قوي
علشان لو حصلك حاجة، اللعبة كلها هتولع… وأنا مش بحرق اللي واقفين جنبي
قلبها دق بسرعة، بس تماسكت
وأنا واقفة جنبك إمتى؟
ميل راسه
من ساعة ما قررتي ما تسكتيش
بعد لحظة
قالت
طيب… هنكمل إزاي؟بقلم مايا خالد
رجع خطوة، كإنه اداها مساحة
الخطوبة هتتم. قدّام الناس إحنا واحد. ورا الأبواب كل واحد فينا صاحي للتاني
عضّت شفايفها
يعني تمثيل؟
هز راسه
تحالف
بصتله نظرة طويلة
ولو وقعت في النص؟
رد من غير تردد
هشيلك
ضحكت بسخرية
كلمة كبيرة
قال بهدوء قاتـ،ل
وأنا راجل ما بحبش أقول كلام مش قدّه
لفّت وراحت ناحية الأوضة
ليلة واحدة… وبعدها نشوف
قال وراها
الليلة دي ممكن تغيّر كل حاجة
قفلت الباب، سندت عليه، إيديها على صدرها.
عارفة إن النوم مش هييجي.
وعارفة إن الراجل اللي برا مش عدو عادي…
ولا حليف مضمون.
بس الأكيد؟
الهروب انتهى.
الحكاية داخلة أخطر ما فيها.
الليل عدى تقيل، المطر نزل فجأة كإنه بيغسل المدينة من سرّها. هي ما نامتش غير ساعتين بالعافية، قامت على صوت حركة برّه الأوضة. فتحت الباب بحذر، لقيته لابس جاكيت وبيشد الساعة في إيده.
قال من غير ما يبصلها
اللبسي كويس… هنطلع
عقدت حواجبها
نطلع فين؟
بص لها أخيرًا
مكان لازم تشوفيه قبل ما تكملّي
ركبوا العربية، المطر مخلي الطريق زلق والجو مكتوم. بعد نص ساعة وقف قدام مبنى قديم، شكله مهجور من برّه. دخلوا من باب جانبي، نزلوا سلالم لتحت.
قالت بتوتر
إنت ناوي تقتـ،لني هنا؟
ابتسم ابتسامة سريعة
لو كنت ناوي… ما كنتش جيبتك تشوفي
فتح باب حديد تقيل. جوّه غرفة مليانة شاشات وملفات. أسماء، صور، تسجيلات. قلبها وقع أول ما شافت صور سياسيين كبار… ونفس الأسماء اللي كانت بتحقق فيهم.
قال
دي الحقيقة كاملة. الشبكة اللي إنتي لمستي طرفها بس
قربت من الشاشة
وده ليه عندك؟
صوته بقى أهدى
علشان لو قررتي تكمّلي، تبقي فاهمة إنتي داخلة على إيه
لفّت له
يعني إيه لو قررت؟بقلم مايا خالد
رد بثبات
لسه عندك فرصة تمشي. آخدك برا البلد، اسم جديد، حياة جديدة
سكتت لحظة، عينها على الصور
ولو مشيت… كل دول هيفضلوا؟
قال بصراحة موجعة
أيوه
رفعت راسها
يبقى مفيش اختيار
ابتسم للمرة الأولى بإعجاب واضح
كنت متأكد
قفل الملفات
من اللحظة دي، إنتي مش صحفية بس… إنتي شريكتي
قالت بنبرة متحدية
وشريكتك دي مش بتمشي وراك
قرب ومد إيده
ولا أنا راجل يمشي حد وراه
ترددت ثانية، وبعدين حطت إيدها في إيده.
المسكة كانت اتفاق مش وعد.
طلّعوا فوق، المطر كان وقف.
قال وهو بيفتح العربية
من دلوقتي، أي حد يقربلك… يقربلي
ردت وهي بتقفل الباب
وأي حد يكذب عليك… هعرفهولك
بص لها بنظرة مختلفة
شكلنا هنخسر ناس كتير
ابتسمت لأول مرة من غير سخرية
بس مش بعض
العربية اتحركت،
والمدينة كانت لسه مش عارفة
إن في حرب هادية ابتدت…
اتنين داخلينها بإرادتهم،
من غير هروب.الأيام اللي بعدها عدّت بسرعة غريبة.
تحضيرات الخطوبة شغّالة، فساتين، كاميرات، ابتسامات مصطنعة. وهي؟ واقفة في النص، لابسة دور ما كانتش متخيلة إنها هتلعبه يوم.
قدّام الناس كانت هادية، واثقة، ماسكة دراعه وكإنه اختيار مش إجبار.
ورا الكواليس؟ كانت عيونها مفتوحة على الآخر.
في ليلة من الليالي، كانت واقفة في البلكونة، بتبص على الشارع من فوق. حسّت بيه وراها من غير ما يكلّم.
قال بهدوء
اتعودتي؟
ردت من غير ما تلف
مش كل حاجة بتتعود
قرب وحط إيده على السور جنبها
بس مش بتجري
لفّت وشها له
مش معنى إني واقفة إني ضعفت
ابتسم
ولا عمري فكرت كده
سكتوا شوية، وبعدين قالت
أكتر حاجة مرعبة إنك مطلعتش وحش زي ما كنت فاكرة
بصلها نظرة طويلة
وأكتر حاجة خطر… إنك طلعتِ أقرب ليّ من ناس كتير
الكلام اتعلّق في الهوا، تقيل.
هي أول واحدة تبعد عينيها.
قالت
ما تخلطش الأوراق
قرب خطوة
الأوراق اتخلطت من أول ما اخترتي تكمّلي
يوم الخطوبة جه.
القاعة مليانة ناس تقيلة، سياسة، نفوذ، ابتسامات بتلمع بس عيونها فاضية.
وهي دخلت، فستان بسيط بس واثق، رأسها مرفوعة.بقلم مايا خالد
واحد من الحضور قرّب وهمس لها كلمة مستفزة. قبل ما ترد، كان هو سابقها، صوته واطي بس قاطع، وجوده وحده خلّى الراجل يتراجع.
بصتله بعد ما مشي
مش محتاجة حارس
مال عليها
مش حراسة… شراكة
في لحظة التصوير، قرب منها أكتر من اللازم. الناس افتكرت قرب عادي. هي وحدها اللي حسّت بنبرة صوته.
إنتي كويسة؟
ردت بنفس الهدوء
طول ما الحقيقة لسه عايشة… أيوه
ابتسم، المرة دي بصدق.
الدبلة دخلت صباعها، تصفيق، فلاشات.
بس وهي واقفة جنبه، عرفت حاجة واحدة بوضوح:
الخطوبة دي مش قيد.
دي س.لاح بالشكل ده…
يا بينقذ
يا يقـ.تل.بعد الخطوبة، الضحك كان عالي… بس التوتر أعلى.
كل واحد في القاعة شايل نية، وهي حاسة بده كويس. ماسكة دراعه، بس عقلها سابقهم كلهم بخطوتين.
وهو قرب منها وهمس
خلي بالك… في عيون مش مبسوطة
ردت بابتسامة ثابتة
ولا عمري كنت كنت هشوف اللي بيحصل وأقف ساكتة.
صدمها. شعرت بقشعريرة عدّت على ظهرها، وعيونها التقت بعينيه للحظة، وفهمت إن الأمور أكبر وأعمق من مجرد احتفال.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *