مني السيد 1

الفصل الثاني

الساعة كانت داخلة على تلاتة ونص الفجر، والبيت كله غرقان في السكون.

كنت واقفة تحت شجرة الجوافة وإيديا بترتعش من التعب والسنين، لكن كل ما كنت أغرز الفأس الصغيرة في التراب كنت بحس إن جوايا قوة غريبة.

يمكن قوة الظلم لما يزيد عن حده.

ويمكن قوة أم اتكسرت من أقرب الناس ليها.

حفرت شوية، وبعدين شوية كمان.

العرق نزل على وشي رغم إن الجو كان بارد.

وفجأة…

سمعت صوت الحديد يخبط في حاجة صلبة.

وقفت مكاني.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

نزلت على ركبتي ومسحت التراب بإيديا.

وظهر طرف الصندوق المعدني.

نفس الصندوق اللي دفنته من أكتر من عشرين سنة.

ساعتها دموعي نزلت لوحدها.

مش عشان الدهب.

لكن عشان السنين كلها عدت قدام عيني.

افتكرت جوزي الله يرحمه وهو بيقولي:

— خليكي دايمًا مأمنة نفسك يا أم أحمد… الدنيا مبتأمنش لحد.

افتكرت الليالي اللي كنت أوفر فيها خمسة جنيه وعشرة جنيه وأخبيهم.

وافتكرت كل مرة كنت أشتغل زيادة عشان أأمن مستقبل ابني.

طلعت الصندوق بالعافية.

كان تقيل جدًا.

سحبته لحد المخزن الصغير اللي آخر الجنينة وخبيته هناك مؤقتًا.

وبعدين رجعت أوضتي قبل ما حد يصحى.

أول ما حطيت راسي على المخدة سمعت صوت الأذان.

لكن النوم ماجاش.

فضلت أبص للسقف وأفكر.

هل أحمد فعلًا بقى الراجل ده؟

هل ابني اللي كنت بم..وت نفسي عشانه بقى قادر يشوف أمه بتتهان ويسكت؟

ولا نجلاء هي اللي غيرته؟

الأسئلة كانت كتير.

لكن الإجابة واحدة.

الواقع قدامي.

مع شروق الشمس صحيت على صوت نجلاء.

كالعادة كانت بتزعق في الشغالة اللي بتيجي مرتين في الأسبوع.

— إنتِ مبتفهميش؟ الأرض دي لازم تتغسل كويس.

خرجت من أوضتي بهدوء.

لقيتها أول ما شافتني قلبت وشها.

— صباح الخير.

قلت بهدوء:

— صباح النور.

ردت ببرود:

— الفطار على الرخامة.

بصيت.

لقيت رغيف ناشف وكوباية شاي بارد.

بينما أحمد وعمر قدامهم فول وجبنة وبيض.

حتى عمر لاحظ الفرق.

بصلي بحزن.

لكن قبل ما يتكلم، نجلاء رمقته بنظرة خلت الولد يسكت.

عدى اليوم كله وأنا مراقبة.

مراقبة بس.

من غير ما أتكلم.

ومن غير ما أعاتب.

العجيب إن لما الإنسان بيبطل يتكلم، بيبدأ يشوف حاجات كتير كانت مستخبية.

لاحظت إن أحمد بقى بيرجع متأخر كل يوم.

ولاحظت إن نجلاء بتصرف فلوس بشكل مبالغ فيه.

كل أسبوع شنط جديدة.

وكل شوية طلبات أونلاين.

وأجهزة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *