زميلة جوزي 2

مرت الأيام والشهور، وجولات المحاكم بدأت تاخد شكلها الرسمي. حسين حاول بكل الطرق يماطل؛ يبعت ناس واسطة من قرايبه عشان أتنازل عن القضايا ونرجع، ولما يلاقيني قافلة الباب تماماً، يرجع يهدد من تاني إنه هيسحب عياله مني ويحرمني من المصاريف. بس الأستاذ فريد كان واقف له بالمرصاد، وكل خطوة كان بيحسبها بالملّي.
الحقيقة، الخبطة اللي حسين أخدها في الشركة مكانتش سهلة. ميرنا زي ما توقعت بالظبط، أول ما حست إن المركب بتغرق وإن “حسين” مبقاش الحصان الرابح اللي هيشيل عنها الشغل ويترقى على كتافه، نفضت إيدها منه تماماً وقدمت استقالتها، وسمعت من زمايلي القدام إنها راحت شركة تانية تدور على “صيد جديد”. أما حسين، فالإجازة المفتوحة اللي أخدها اتحولت لقرار نقل لفرع أصغر وبمرتب أقل، بعد ما الإدارة لقت إن برستيجه كمدير حسابات اتهز، ومبقاش ليه عين يملى مركزه قدام الموظفين.
في يوم، كنت قاعدة في الصالة عند أمي، والباب رن. فتحت لقيت محضر ومعاه قرار التمكين من الشقة.
أمي زغرطت من قلبها، والولاد كانوا بيتنططوا من الفرحة وهم مش فاهمين أوي أبعاد الموضوع، بس كفاية إنهم راجعين لأوضتهم ولعبهم.
يوم تنفيذ القرار، رحت ومعايا الأستاذ فريد وقوة من الشرطة عشان أستلم الشقة. حسين كان واقف هناك، ملامحه كانت دبلانة، والبيت من غيري كان يضرب يقلب؛ السجاير في كل حتة، والمواعين متكومة، كأنه كان عايش في خرابة. بص لي وهو بيلم آخر حاجتين ليه في شنطة، وقال بصوت مكسور ومن غير زعيق:
“ارتحتي يا هناء؟ أهو البيت فضي عليا، وخسرت كل حاجة.. الشغل، والبرستيج، وانتي والولاد. مكنتش تسوى كل ده.”
بصيت حوليا في الشقة اللي تعبت في كل ركن فيها كمهندسة ديكور وكست بيت، وقلت له ومن غير غل، بس بمنتهى الجفاء:
“إنت اللي اخترت يا حسين. اخترت تبيع العِشرة والأصل عشان سراب، وفكرت إن الطيبة ضعف. اللي بيعمل بأصله مبيخسرش، وإنت خسرت نفسك قبل ما تخسرنا.”
ساب الشقة ومشي، وقفلت الباب ورايا. أول حاجة عملتها إني فتحت الشبابيك كلها عشان أدخل الشمس والهوا النضيف، وكأني بطرد آخر طيف ليه من حياتي.
الشهور اللي بعد كده كانت مرحلة “بناء هناء الجديدة”. بمساعدة زمايل قدام ومعارفي في مجال الديكور، بدأت أشتغل “فري لانس” (عمل حر). صممت كذا شقة ومكتب، والناس بدأت تتكلم عن شغلي ولمستي الخاصة. المرتب مكنش ثابت زي الشركة، بس الإحساس بالحرية والنجاح كان بيعوض أي حاجة. بقيت بنزل شغلي وراسي مرفوعة، برجع لبيتي وولادي وأنا كلي طاقة وأمان.




