أمبارح بليل ج الاخير

الصبح طلع، والشمس نورت شقتي الصغيرة لأول مرة من غير غيامة الخوف والخيانة. لبست جاكتي، ونزلت وسط شوارع القاهرة اللي كانت لسه بتغسلها بواقي مطر الليلة اللي فاتت. رحت على نفس فرع البنك، بس المرة دي طلبت مقابلة مدير الفرع شخصياً في مكتبه.

حطيت قدامه النوت بوك بتاعة كريم، وبلغته بالنص عن اللي حصل، وعن اسم “مروان” موظف خدمة العملاء اللي خان أمانة وظيفته وسرّب بيانات حسابي وسهل للعصابة طريقم. مدير البنك وشه جاب ألوان، واعتذر بقمة الأدب والخوف على سمعة المكان، وفي أقل من ساعة، كانت الإدارة القانونية في البنك مبلّغة النيابة، وتم القبض على مروان من ورا مكتبه وهو مش فاهم إزاي خيوطه اتكشفت بالسرعة دي.

من البنك، طلعت على مكتب أحمد ابن عمي في القسم.

كان قاعد وقدامه كشري وبيرتب في محضر الق*ضية اللي اتقفلت بالمليم. بص لي وابتسم وقال: “المحامي وموظف البنك والحرامي التالت اعترفوا بكل حاجة يا رانيا.. الق/ضية متبتة، وكريم أخد تهمة الاشتراك، بس شهادتك وموقفه الليلة اللي فاتت خففوا عنه كتير، وغالباً هياخد حكم مخفف، بس الأكيد إن أمه مش خارجة بسبب الأحكام القديمة وقض/ية السرقة.”

طلعت ورقة وقلم من شنطتي، ومضيت على تنازل رسمي عن حقي المدني ضد كريم كشخص.. مش عشان لسه باقية عليه، بس عشان اللحظة اللي دخل فيها بالشومة ونقذ حياتي. بصيت لأحمد وقلت له: “أنا كده عملت بأصلي.. بس ورقة طلاقي منه توصل لي وهو في سجن القناطر.”

أحمد هز راسه باحترام وقال: “يوصلك يا بنت عمي.. وألف مبروك على حريتك وشقاكِ اللي رجع لك.”

رجعت بيتي، قعدت في البلكونة وبصيت على الهوا النظيف وهو بيدخل الصالة. سحبت تليفوني وفتحت الأبلكيشن بتاع البنك، وبصيت على الرقم: **1,250,000 جنيه**.

الرقم ده مكنش مجرد فلوس؛ ده كان ثمن حرية، وثمن درس عمري ما هنساه. الأمان مش في الوشوشة، ولا في الورد اللي بييجي من غير مناسبة، ولا في الحيطة الرفيعة اللي بتداري وراها الثعابين. الأمان الحقيقي هو إنك تكوني صاحية وعينك وسط راسك، حتى وأنتِ عاملة نفسك نايمة.

قفلت التليفون، شربت بق من قهوتي، وابتسمت في النور.. المرة دي مكنتش ابتسامة في الضلمة، كانت ابتسامة ست بدأت حياتها من جديد، وبشروطها هي بس.

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *