سابو جدتي

جدي شغال معاه من أول ما بدأ تجارته، البنك اللي اتقفل من سنين طويلة، وكل اللي جواه انتقل لفرع تاني في وسط البلد.
وبينما كنت قاعدة أفكر، سمعت صوت من ورايا
عبد الحليم كان بيحب الشارع ده… كان بيقول إن الحجارة هناك بتعرف تحفظ الأسرار.
التفت بسرعة، ولقيت جدتي واقفة ورايا بملاءة النوم، وشعرها منكوش، لكن عينيها كانت صافية زي ما كانت قبل كده، ومش فيها أي شرود. قمت بسرعة وساعدتها تقعد، ومسكت إيدها اللي كانت بترتعش قليلاً
تيته… إنتِ عارفة إيه اللي في الخزنة؟
ضحكت ضحكة خافتة حزينة، ومسحت دمعة نزلت على خدها
عارفة يا بنتي. وعبد الحليم كان عارف إن يوم ما هحتاجها هتكوني إنتِ اللي تاخديها. هو ما كان بيحب سيد ولا عبير، كان شايف فيهم الطمع اللي ما يخلص. قال لي لو جاء يوم وتخلي عنك الكل، افتكري إن الحق مش بيموت، مهما طال الزمن.
سألتها بسرعة
ولماذا ما قلتليش من زمان؟ لماذا ما قلت لحد؟
لأنهم كانوا بيراقبوني يا منى. كانوا بيجوا يفتشوا الشنطة والدراويش لما كنت نايمة. كانوا بيسألوني كل يوم عن ورق قديم، عن حاجة عبد الحليم سابها. لو عرفوا بالخزنة، كانوا قتلوني عشان ياخدوها. وكنت خايفة عليكِ منهم، خايفة يأذوكِ.
كلامها كان بيمر علي زي الصواعق. كنت دايماً بحس إن خالي كان عنده حاجة غريبة، إن ابتسامته مش حقيقية، لكن ما توقعتش إنه يوصل لدرجة إنه يخاف من جدته لدرجة إنه يسيبها قدام بابي ويمشي، وإن وراء كل ده سر خطير كده.
في الصباح، قررت ما أسكتش. رحت لفرع البنك الجديد اللي انتقلت له ملفات القديم، ومعايا بطاقة جدتي، وورق إثبات القرابة، وكل ما قدرت أجمعه من أوراق تثبت إنها الوريثة الشرعية لجدي.
الموظف الكبير في البنك، راجع اسمه كمال، بص لي بدهشة لما قلت له رقم الخزنة
ده رقم خزنة عبد الحليم المنشاوي، صحيح؟ والست نظيرة هي زوجته؟
نعم، هي. وعندي كل الأوراق اللي تثبت الكلام ده.
سألني بحرص
وعيلة سيد المنشاوي ما جوش يسألوا عنها؟ هم جالوا هنا قبل كده بأسبوع، قالوا إن الست مريضة ومش عارفة تتصرف، وإنهم هم الورثة الوحيدين.
قلت له بثبات
هم باعوا بيتها غصب عنها، وسابوها قدام باب شقتي ومشوا. والست لسه على قيد الحياة، وعقلها سليم في أوقات كتير، وهي اللي أرسلتني لكم.
بعد ما تأكد من الأوراق، وقعنا على الإجراءات، وقررنا نفتح الخزنة في اليوم التالي، بوجود شاهد ومحامٍ من البنك عشان نضمن الحقوق كلها.
لما رجعت للبيت، لقيت خالي سيد واقف قدام الباب، وعبير جنبه، ووشهم أحمر من الغضب. أول ما شافوني، صرخ بصوت عالي سمعه الجيران
إنتِ مجنونة يا منى؟ قلتلك متدخليش في ما يخصك! عايزة تدمري نفسك ولا إيه؟
رديت عليه بهدوء، من غير ما أرفع صوتي
ده يخصني أكتر من أي حاجة يا سيد. ده يخص جدتي، وده يخص حق جدي اللي انتوا بتحاولوا تسرقوه.
ضحك عبير بضحكة سخرية زي ما كانت بتضحك أول يوم
حق؟ إيه الحق اللي بتتكلمي عنه يا بنت؟ ده كلو كلام خرفانة مريضة! ما تخلينا نعيش في سلام بقى!
السلام ما بيجيش بسرقة حق الغير، ولا بتخلي ست عاجزة في الشارع عشان تخلصوا منها.
كانت الجيران بتطلع من شققها وتشوف، وكل واحد بيسأل إيه اللي بيحصل، وبعضهم كان يعرف جدتي من زمان، ويعرف كيف كانت طيبة، وكيف كان سيد ما بيزورهاش إلا لما كان عايز فلوس. لما شافوا الحال، بدأوا يقولوا لخالي كلام زي يا سيد اتق الله في امك! كيف تسيبها كده؟ الست كانت طيبة معاكم طول عمرها!
سيد شاف إن الكل ضده، فمسك عبير من إيدها ومشى، وقبل ما يصعد العربية، بص لي بنظرة مليئة بالتهديد
شوف يا منى، إنتِ اخترتي الطريق ده. ولما تندمي، مش هلاقي حد يساعدك.
قفلت الباب ورايا، ورحت لجدتي اللي كانت واقفة خلف الباب بتسمع كل حاجة، مسكت إيدها وقلت لها
متخافيش يا تيتة. أنا معاكِ، والحق هيرجع لمكانه.





