عشق ع ورق مايا خالد

مرت الأيام وسولاف عايشة في حالة من الرعب المستمر، كل ما تسمع صوت عربية في الحارة يتهيأ لها إن الرائد سالم رجع، أو إن الكابوس اللي عاشته هيرجع يتكرر تاني. رنا كانت بتجيلها الجامعة وتحاول تخفف عنها، بس سولاف كانت دايما حاسة إنها تقيلة، وإنها مجرد “جميلة” عملها سالم المنشاوي في أختها.
​في يوم، بعد حوالي أسبوعين من كتب الكتاب، كانت سولاف قاعدة جنب جدتها اللي تعبها زاد وبقت مش قادرة تتحرك من السرير. فجأة، الباب خبط خبطات قوية وسريعة.. نفس الخبطات اللي سولاف حافظاها ومش بتغيب عن بالها.
​جرت بسرعة تفتح والنعاس طاير من عينها، وأول ما فتحت لقت سالم واقف بهيبته، بس المرة دي وشه كان شاحب، وقميصه الأبيض متبهدل تراب وفي بقعة دم صغيرة على كتفه، وعيونه الحادة فيها كمية تعب وغضب مش طبيعية.
​سولاف حطت إيدها على بؤها بصدمة وخوف: “أبيه سالم!.. أنت.. أنت كويس؟ فيك حاجة؟”
​سالم دخل وقفل الباب برجله بعنف، وبص لها بنظرة خلت ركبها تسيب، وصوته طلع مبحوح وخشن من كتر العصبية: “وسعي من وشي يا سولاف.. مش طايق نفسي.”
​سولاف رجعت لورا وهي شايفة إنه بيتحامل على نفسه ومش قادر يقف على رجله، بس كبريائه منعه يشتكي. سابها ودخل الصالة، رمى مفاتيحه وسلا..حه على التربيزة واترمى على الكنبة بتعب، وغمض عينه وهو بيمسح على وشه بقهر. كان راجع من مأمورية ضرب نار صعبة ومات فيها واحد من عساكره، والدنيا كانت سودا في عينه.
​سولاف، رغم خوفها الشديد منه ورقتها اللي بتخليها تتفزع من أي صوت عالي، حست إن واجبه عليها تقف جنبه، ده في النهاية الراجل اللي شايل اسمها. قربت منه بخطوات بطيئة ومرعوبة، ووقفت على مسافة منه وقالت بصوت رقيق زي النسمة: “أبيه.. لو حضرتك تعبان أو فيك جرح.. أنا ممكن أساعدك؟ أو أطلب لك دكتور؟”
​سالم فتح عينه فجأة، وبص لها بنظرة حادة زي الموس، نظرة مليانة كُره وغضب أعمى من صنف الستات كله، وقال بـ فحيح مرعب: “أنتي فاكرة نفسك مين عشان تساعديني؟! مش سالم المنشاوي اللي حتة عيلة مكسورة زيك تشفق عليه! أنتي هنا مجرد واجب ثقيل على قلبي وبأديه، فوقي لنفسك ومتعيشيش الدور!”
​الكلمات نزلت على قلب سولاف جرحته، دموعها نزلت بسرعة وحست بـ إهانة وكسرة نفس ملهاش آخر. لفت وشها وجرت على أوضتها وهي بتعيط بكتمان عشان جدتها متموتش من الصدمة.
​سالم أول ما شاف دموعها وجريها من قدامه، حس بـ نغزة غريبة في صدره.. ريحة برائتها ونعومتها كانت بتهاجم جفافه وقسوته، وهو بيكره الضعف ده. اتنرفز أكتر وقام وقف وهو بيشتم نفسه إزاي سمح لنفسه ييجي هنا بدل ما يروح بيته.
​وهو قايم، سمع صوت كحة شديدة ومكتومة جاية من أوضة الجدة، وبعدها صوت حاجة تقع على الأرض. سولاف خرجت من أوضتها بتصرخ: “تيتاااا!”
​سالم جرى وراها ودخل الأوضة، لقى الجدة واقعة في الأرض، وشها أزرق ومش قادرة تاخد نفسها. سولاف قعدت في الأرض جنبها، بتعيط بهستيريا وتلطم على وشها برعب: “تيتا ردي عليا!! عشان خاطري متسبنيش لوحدي! يا رب ملهاش غيرك.. أبيه سالم الحقني!!”
​سالم في ثانية، تحول لـ ظابط المحترف، شال الجدة بسرعة وخفة بين إيديه الطويلة، وبص لسولاف وزعق بصوت جهوري: “امسحي دموعك دي والسي طرحتك بسرعة!! مفيش وقت للعياط المرق ده.. يلاااا!”
​سولاف من الخوف حطت الطرحة على راسها وطلعت تجري وراه. سالم نزل بيها السلم بسرعة الصاروخ، وركبها الكنبة اللي ورا في عربيته، وسولاف قعدت جنبها وهي بتترعش وماسكة إيد جدتها وبتبوسها.
​سالم طار بالعربية في شوارع القاهرة، بيسوق بأقصى سرعة، وعينه كل شوية تيجي في المراية على وش سولاف البريء اللي غرقان دموع ورعب.. لأول مرة يشوفها وهي مش خايفة منه، هي خايفة من الدنيا كلها لو جدتها سابتها.
​وصلوا المستشفى، والممرضين جرو بالترولي وخدوا الجدة على العمليات فوراً. سولاف وقفت في الطرقة، ضامة نفسها وبتترعش من البرد والخوف، ودموعها مش راضية تقف.
​سالم وقف بعيد، مربع إيده، عينه عليها.. الصراع جواه شغال؛ عقله بيقول له دي ست، والستات كلهم خاينين ومصايب (عقدته القديمة)، وقلبه أو جانب النخوة والشهامة فيه بيقول له دي طفلة يتيمة، مكسورة، ومستجيرة بيك.
​قرب منها بخطوات بطيئة، ولأول مرة صوته ميكونش فيه زعاق، قال بنبرة جافة بس أهدى من الأول: “اقعدي.. الجري والعياط ده مش هيشفيها. ادعي لها.”
​سولاف بصت له بعيونها الزرقا الدبلانة، وبشهقات مكسورة قالت: “لو جرى لها حاجة أنا هموت يا أبيه.. أنا ملأيش حد في الدنيا دي غيرها.. الدنيا برة توجع أوي، وأنا خلاص مش قادرة.”
​كلمة “الدنيا برة توجع” خبطت في قلب سالم.. افتكر المصيبة اللي البنت مرت بيها والكسرة اللي هي فيها. لقى إيده، من غير ما يحس، بتمتد وبتمسك كتفها بهدوء، وضغط عليه ضغطة خفيفة كأنه بيقول لها “أنا هنا”.. بس بسرعة سحب إيده لما افتكر نفسه، ودار وشّه الناحية التانية وهو بيقول في سره: “أنتي هتعملي فيا إيه يا بنت الحارة؟!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *