عشق ع ورق مايا خالد

سالم ركب عربيته وداس بنزين لأقصى سرعة، بيخترق شوارع القاهرة وصوت السرينة بتاعة الشرطة اللي ركبها فوق العربية بيجبر كل العربيات توسع له. إيده كانت بتضغط على الدريكسيون بقوة لدرجة إن عروقه كانت بارزة ووشه اتحول لكتلة من الغضب الأعمى. فكرة إن في كلاب بيفكروا مجرد تفكير إنهم يقربوا من “سولاف” أو يلمسوا طرف طرحتها كانت بتخلي الدم يغلي في عروقه. لأول مرة يستوعب إن البنت دي م بقتش مجرد واجب؛ البنت دي بقت شرفه، وحتة من قلبه اللي كان فاكره مات.
​في الشقة، سولاف كانت واقفة ورا الباب بتترعش، وضامة رنا ليها اللي هي كمان كانت خايفة من نبرة أخوها في التليفون. الجدة كانت قاعدة على السرير بتدعي بصوت عالي ودموع: “يارب استرها على بناتي.. يارب احميهم.”
​مرت ربع ساعة كأنها سنة، لحد ما سمعوا صوت فرملة عربية سالم العنيفة تحت العمارة. بعدها بـ دقيقة، الباب اتفتح وسالم دخل زي الإعصار. ملامحه كانت ترعب، وسلا..حه كان باين في جنبه، وعيونه الحادة لفت في الصالة لحد ما ثبتت على سولاف. حكايات مايا خالد
​جرى عليها ومسكها من كتافها وهو بيبص في عيونها بلهفة وغضب مكتوم: “أنتي كويسة؟! حد كلمك؟ حد جه هنا؟! انطقي!”
​سولاف هزت راسها بنعومة ودموعها نازلة: “لا.. لا يا أبيه محدش جه هنا، الجيران من الحارة هما اللي اتصلوا بيا وقالوا لي الرجالة دي هناك.. أنا خايفة أوي عليك وعلى تيتا.”
​سالم لما شاف دموعها وخوفها عليه هو شخصياً، حتة جوا صدره اتهزت. شدها عليه وضغط على كتافها بنبرة صوت رجولية، مرعبة بس مليانة أمان: “ماتخافيش.. طول ما أنا نفسى طالع ونازل، مفيش كلب يقدر يهوب ناحيتك.. رنا! خدي بالك من سولاف ومن الحاجة وقفلوا الباب ورايا وم تفتحوش لمخلوق!”
​سولاف مسكت في قميصه بلهفة وعيونها الزرقا مليانة رجاء: “أنت رايح فين يا أبيه؟ أرجوك بلاش خطر.. هما معاهم سلا..ح!”
​سالم بص لإيدها المتشبثة بقميصه، وابتسم ابتسامة ثقة حادة وهو بيمشي إيده على وشها بلمسة حنينة فاجأتها وفاجأته هو نفسه: “أنا الرائد سالم المنشاوي يا سولاف.. أنا الخطر اللي هما لازم يخافوا منه. اقعدي جوة وادعي لي.”
​سابها ونزل، وركب عربيته وطار بيها على الحارة القديمة.
​وصل هناك في وقت قياسي، ونزل من العربية بهيبته وطوله الفارع، وجاكتته الجلد السودا وعيونه اللي بتطلق شرار. لمح تلات رجالة واقفين على أول الحارة، أشكالهم رد سجون، وبيتكلموا مع حد من الجيران وبيسألوا بـ بلطجة.
​سالم قرب منهم بخطوات منتظمة وثابتة، وحط إيده في جيبه جنب سلا..حه، وقال بصوت جهوري ورخيم هز الحارة كلها: “بتدوروا على مين يا روح أمك منك له؟!”
​الرجالة لفوا ليه، وواحد منهم قرب بـ قلة أدب: “وأنت مالك يا كابتن؟ إحنا بندور على حريم ساكنين هنا.. وسع من طريقنا بدل ما…”
​قبل ما يكمل كلمته، سالم كان طبق في زمارة رقبته، وضربه بـ بونية عمياء في وشه جابت دمه ونيمته في الأرض. الاتنين التانيين طلعوا مطاوي وجروا عليه، بس سالم بـ مهارة ظابط العمليات الخاصة، تفادى الأولاني وكسر إيده، وشاط التاني في صدره رماه على الـ عربية.
​سحب سلا..حه الميري وفك الأمان، وحطه في دماغ الكبير بتاعهم اللي غرقان في دمه على الأرض، وزعق بفحيح مرعب: “أنا الرائد سالم المنشاوي! والست اللي بتدوروا عليها دي تبقا مراتي.. حرم الرائد سالم المنشاوي! ورحمة أمي اللي هيلمح طرفها بس، هكون دافنه صاحي.. انطق يا روح أمك! مين اللي باعتكم؟! الباشا الكبير بتاعكم فين؟!”
​البلطجي كان بيتنفض تحت رجله ومن شكل مسد..سه وصوته: “يا باشا والله ما نعرف.. ده واحد دفع لنا قرشين وقال لنا اعرفوا البنت وجدتها راحوا فين، إحنا ملناش ذنب!”
​سالم ضربه بالطبنجة على دماغه أفصده الوعي، وطلع تليفونه واتصل بالمديرية: “ابعتوا لي بوكس على الحارة القديمة.. معايا تلاتة كلاب عايزهم في حجز الانفرادي، وهاتوا لى رئيس المباحث حالا!”
​بعد ما سلمهم، رجع سالم الشقة بليل. كان قميصه متبهدل، وإيده عليها علامات الضرب. أول ما فتح الباب، لقى سولاف واقفة مستنياه، وشها باهت وعيونها مدمعة.
​أول ما شافته، جرت عليه من غير ما تفكر، وبصت لإيده المجروحة وبكت بحرقة: “أبيه!.. إيدك بتنزف.. أنت كويس؟ عملوا فيك إيه؟”
​سالم بص لدموعها الخالصة ورقتها، وحس إن كل غضبه وعقدته من الستات دابت في ثانية واحدة قدام براءتها وخوفها عليه. مسك إيدها الرقيقة وصوته طلع واطي وخشن، بس مليان مشاعر لأول مرة تظهر: “أنا كويس يا سولاف.. الكلاب دول خلاص مش هتشوفيهم تاني، وحقك اللي ضاع.. أنا هجيبه بـ إيدي دي، وهندمهم على اليوم اللي اتولدوا فيه.”
​سولاف رفعت عيونها الزرقا وبصت في عيونه السودا، ولأول مرة تلمح فيهم نظرة حب وتملك جارف.. التحدي الأسود خلاص اتحول لنار عشق، وسالم المنشاوي بقا مستعد يهد الدنيا عشان العيلة المكسورة اللي ملكت قلبه!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *