عشق ع ورق مايا خالد

مرت الـ 48 ساعة وسولاف ورنا مقيمين في المستشفى، وسالم مابين المديرية والمستشفى وعينه على كل حاجة من بعيد لبعيد، بيشرف على العلاج وبيدفع الحسابات وكأنه بينفذ مأمورية عسكرية بقمة الانضباط، بس رافض يقرب من سولاف أو يوجه لها كلمة زيادة.
​وأخيرًا، الدكتور سمح للجدة بالخروج بعد ما حالتها استقرت، بس اشترط راحة تامة وممنوع المجهود أو الحركة.
​شالوا الجدة وركبوها العربية، وسالم كان بيسوق وعيونه حادة وساكت طول الطريق. أول ما وصلوا تحت بيت سولاف القديم، سالم وقف العربية ومطفاش الموتور، وبص في المراية لرنا وسولاف وقال بنبرة حاسمة وصوت رخيم: “رنا.. انزلي هاتي الهدوم والأدوية بتاعة الحاجة من الشقة فوق، ولمي هدوم سولاف وكل حاجتكم المهمة في شنطة بسرعة.”
​سولاف اتخضت وبصت له بعيونها الزرقا الواسعة وبصوت مرتعش: “شنطة إيه يا أبيه؟ وإحنا رايحين فين؟”
​سالم دار ليها وبص لها بنظرة صارمة خلتها تكتم أنفاسها: “أنتي فاكرة إني هسيبكم هنا لوحدكم في حارة مفيهاش راجل يحميكم؟ وجدتك بالمنظر ده لو تعبت نص الليل مين هيشيلها؟ أنتي هتنقلي تقعدي في بيتي.. ده مش اختيار يا بنت الناس، ده أمري، ويلا يا رنا اخلصي.”
​رنا هزت راسها بلهفة ونزلت تجري وهي مبسوطة إن أخوها رغم قسوته بيحميهم، أما سولاف فكانت قاعدة ورا، ضامة إيدها وصدرها بيعلو ويهبط من التوتر.. هتروح تعيش معاه في بيته؟ الراجل اللي قال لها إنها مجرد “كرسي” وواجب ثقيل على قلبه؟!
​بعد نص ساعة، كانت الشنط في الشنطة ووصلوا لعمارة فخمة جداً في حي راقي، مكان ملوش علاقة بالحارة الضلمة اللي سولاف جاية منها. سالم شال الجدة بخفة وهيبة وطلع بيها، ووراهم رنا وسولاف اللي كانت بتبص حواليها بـ انبهار وخوف.
​الشقة كانت واسعة جداً، أثاثها مودرن وشيك بس غلبت عليه الألوان الغامقة (الأسود والرمادي)، كأنها بتعكس شخصية صاحبها الجافة والضلمة. سالم دخل الجدة أوضة واسعة ومريحة وساعدها ترتاح على السرير، وبص لرنا وسولاف اللي واقفين عند الباب: “دي أوضة الحاجة.. وأنتي يا رنا أوضتك زي ما هي لما بتيجي تباتي، وسولاف هتقعد في الأوضة اللي جنبها.”
​سولاف بلعت ريقها وبصت في الأرض: “شكراً يا أبيه.”
​سالم قرب منها خطوة، فـ رجعت لورا تلقائياً، ضغط على سنانه وعروق رقبته برزت وهو بيقول بصوت واطي ومسموع ليها هي بس: “اسمعي كويس.. أنتي هنا عشان خاطر جدتك وصحتها وبس، وجودك في البيت ده زي عدمه، وملمحكيش بتتحركي في الشقة طول ما أنا موجود.. أنا باجي أنام كام ساعة وأمشي، ومش عايز دوشة ولا لوع بنات، فاهمة؟”
​سولاف دموعها لمعت في عيونها وهزت راسها بكسرة ونعومة: “فاهمة والله.. مش هتشوف وشي خالص.”
​سالم سابها ودخل أوضته وقفل الباب بعنف، وسولاف جرت على أوضتها واترمت على السرير وهي بتعيط بحرقة.. حاسة إن الأمان اللي بتدور عليه محاوط بـ سياج من الشوك والوجع.
​ومرت الأيام في البيت الجديد.. سولاف كانت زي النسمة، بتصحى بدري جداً تنضف وتعمل الأكل لجدتها ولرنا وليه هو كمان من غير ما يحس، وأول ما تسمع صوت مفاتيحه في الباب، بتجري تستخبى في أوضتها وتأفل على نفسها كأنها هربانة من وحش.
​سالم كان بيلاحظ نظافة الشقة، وريحة الأكل البيتي اللي وحشاه من زمان، وكان بيستغرب إزاي قادرة تختفي تماماً كده وميلمحش طرف طرحتها حتى.. رقتها وهدوءها بدأوا يثيروا فضوله وغضبه في نفس الوقت.. هو بيكره الستات وعياطهم ومشاكلهم، بس البنت دي مابتشتكيش، مابتطلبش، وبتنفذ أوامره بالحرف بـ كبرياء مكسور.
​في ليلة من الليالي.. الساعة كانت 3 بعد نص الليل، وسالم رجع من المديرية هلكان ومش قادر يفتح عينه من التعب. دخل الشقة والهدوء كان مغطي المكان، اتوجه للمطبخ عشان يشرب مية وهو مغمض عينه.
​أول ما فتح باب المطبخ، اتفاجأ بـ سولاف واقفة بتعمل كوباية ينسون دافية لجدتها.. كانت لابسة بيجامة كشمير رقيقة جداً ومسيبة شعرها الأسود الطويل والناعم لأول مرة من غير طرحة، وشها كان بريء وناصع البياض وعيونها بلون السما.
​سولاف أول ما شافته، اتخضت وكوباية الينسون وقعت من إيدها واتكسرت مية حتة على الأرض، وصرخت صرخة مكتومة وهي بتحاول تداري شعرها بإيدها وجسمها كله بيترعش من الخوف.
​سالم وقف مكانه مشلول.. عينيه نزلت على شعرها الطويل وجمالها الرباني اللي خطف أنفاسه، ريحة برائتها ونعومتها هزت جموده وقسوته في ثانية واحدة.. حس بـ بركان جوا صدره، وبدل ما يهدى، عصبيته زادت لأنه حس إن حصونه بتنهار قدامها!
​سالم قرب منها بعصبية وعيون بتطق شرار، ومسكها من دراعها بقوة وهو بيضغط عليه: “أنتي إيه اللي موقفك هنا بالمنظر ده؟! مش أنا قولت ملمحكيش برة أوضتك؟!”
​سولاف من الوجع والخوف، ودموعها نازلة زي الشلال، بصت في عيونه وقالت بصوت يقطع القلب: “والله.. والله كنت بعمل ينسون لتيتا عشان كحتها.. أنا أسفة، سيب إيدي يا أبيه بتوجعني.. أنا هلم الازاز وأمشي فورا!”
​سالم بص لدموعها ولـ شفايفها اللي بـ تترعش، ولأول مرة الكره اللي في عينه يتحول لحاجة تانية.. حاجة شبه الرغبة والتملك والتحدي.. ضغط على دراعها أكتر وصوته طلع خشن ومرعب: “لم الازاز إيه وزفت إيه! غوري على أوضتك وملمحكيش تخرجي منها تاني بالمنظر ده.. سامعة ولا لأ؟!”
​سولاف هزت راسها بسرعة وجرت على أوضتها وهي بتصرخ بالعياط وقفتلت الباب بالمفتاح.. أما سالم ففضل واقف في المطبخ، بيبص على الأرض والازاز المكسور، ونفسه عالي وسريع.. حط إيده على قلبه اللي كان بيدق بعنف، واكتشف إن التحدي الأسود مش بس إنها تعيش في بيته.. التحدي الحقيقي إن قلبه الميت بدأ يصحى، والبنت دي ببراءتها ورقتها هتدمر كل قسوته وغضبه!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *