خط احمر بقلم اماني السيد 1

— “حبيبي، الجو حر قوي هنا.. ممكن تجيب لي كوباية عصير ساقعة من المطبخ؟”

لقيت رد فعله خطف روحي.. ابتسم في وشها بحنان وقام فوراً وهو بيقول لها: “من عيوني يا حبيبتي، ثواني ويكون عندك.”

في اللحظة دي، عيني راحت على بناتي اللي كانوا قاعدين جمبي.. البنتين اتسمروا مكانهم، عيونهم كانت واسعة من الذهول ومش مصدقين اللي شايفينه! أبوهم اللي عمرهم ما شافوه بيشيل كوباية من مكانها في البيت، أبوهم اللي لو طلب مية بيزعق ويقلب البيت لحد ما حد يروح يجري يجيب له، قايم بنفسه وبكل رضا ولطف عشان يخدم مراته الجديدة! شفت الكسرة والخزلان في عيون بناتي، وكأنهم بيسألوا نفسهم: هو ليه مش بيعاملنا كده؟ هو ليه مش بابا بتاعنا إحنا كمان؟

رجع من المطبخ وفي إيده كوباية العصير، قدمها ليها وهو بيطمن إنها ساندة مرتاحة. أخدت منه الكوباية، شربت بوق، وبمنتهى البرود لفت عينيها في الصالة وقالت وهي بتبص للبنات:

— “تسلم إيدك يا حبيبي.. صحيح، أنا كنت عايزة كمان شوية مية ساقعة، وكمان منديل امشح ايدى من  العصير.. خليهم بقى يقوموا يخدموني ويجيبوا الحاجات دي، مش كفاية أنت اللي قمت بنفسك الأول؟”

التفت ناحية بناته، وبنبرة جافة وأمر، خالية تماماً من الحنية اللي كانت في صوته من ثواني، بص لهم وقال:

— “قوموا يا بنات.. اسمعوا كلام طنط وشوفوا هي عايزة إيه واعملوه فوراً.”

بمجرد ما بناتي بدأوا يتحركوا عشان ينفذوا أمره، الدم غلي في عروقي وماقدرتش أسكت أكتر من كده. قمت بسرعة، حطيت إيدي على أكتافهم ومنعتهم يقوموا، وقعدتهم مكاني تاني، ووقفت أنا قدامهم.

بصيت له في عينه مباشرة، نظرة كانت مليانة غضب مكتوم وقوة، وصوتي كان هادي بس رن في أرجاء الصالة وخلى الكل يسكت:

“اقعدوا مكانكم يا بنات.. مفيش حد فيكم هيتحرك.”

لفيت وشي ناحيته، وبكل ثبات وبرود وكملت:

“بص يا عابد، إنك تبقى خدام لمراتك وتعمل اللي هي عايزاه وتلبي طلباتها ده اختيارك وده قرار يرجعلك إنت، دي حياتك وإنت حر فيها. إنما بناتي؟ بناتي خط أحمر، ولا هما خدم ليها ولا هما خدامين عندك عشان تامرهم يخدموها. ولو فكرت بس تبصلهم بصة تضايقهم أو تحاول تضغط عليهم بكلمة زي دي تاني، وقتها أنا مش هيهمني لا كبيرة ولا صغيرة، ومش هيهمني حد في الدنيا دي.”

خيّم صمت رهيب على المكان، الكل كان باصص لي ومذهول، وحماتي وقرايبه كانوا في حالة صدمة من رد فعلي القوي اللي مكنش حد فيهم متوقعه، حتى هو بلم وعنيه وسعوا من المفاجأة، وكأن لأول مرة بيشوف “الست اللي كانت بتسكت وتعدي” قدامه بشكل تاني خالص.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *