روايه كامله

أبوكي كان ذكي للدرجة اللي بتحكي عنها… يبقى أكيد كان عامل احتياط.
سكتت لحظة.
ثم اتسعت عيناها فجأة.
الصندوق!
أنهي صندوق؟
كان عند بابا صندوق خشب صغير… قال لي عمره ما يسيبه في البيت.
راح فين؟
بعد وفاته… عمتي رفضت تفتحه، وقالت إنها حطته في المخزن تحت البيت.
ابتسم آدم.
إحنا كنا رايحين للمكان الغلط من البداية.
…
لكن قبل أن يتحركوا…
دوى انفجار هائل في آخر الشارع.
اهتزت المباني.
وتحطم زجاج السيارة.
صرخت ندى.
وقفز عمر حاملًا سلاحه.
ومن بين سحابة الدخان…
خرجت أربع سيارات دفع رباعي سوداء.
ترجل منها أكثر من عشرين رجلًا مدججين بالأسلحة.
وكان يتقدمهم رجل طويل يرتدي بدلة سوداء وقفازات جلدية.
رفع يده ببطء.
فتوقفت جميع البنادق عن التصويب.
ثم خلع نظارته السوداء.
ونظر مباشرة إلى ندى.
وقال بصوت هادئ أرعب الجميع
أخيرًا… اتقابلنا يا بنت الدكتور فؤاد.
تقدم خطوة أخرى.
ثم أخرج من جيبه فلاشة معدنية مطابقة تمامًا لوصف ندى.
وأدارها بين أصابعه وهو يبتسم.
بتدوري على دي؟
أما آدم…
فرفع سلاحه نحوه دون أن يطرف.
وقال ببرود
لو لمستها بإيدك مرة كمان… هتبقى آخر حاجة تعملها في حياتك.
ابتسم الرجل أكثر.
وأجاب بثقة
جرب.
وفي اللحظة نفسها…
صدر صوت طلق ناري واحد من فوق أحد أسطح المنازل…
لكن الرصاصة لم تكن موجهة إلى آدم…
ولا إلى الرجل الغامض…
بل اتجهت مباشرة نحو ندى يتبع…نظر عمر إلى شاشة الهاتف مرة أخرى، وكأن عقله يرفض تصديق ما يراه.
كانت الصورة حديثة.
فنجان الشاي الذي تركته ندى فوق الطاولة قبل يومين ما زال في مكانه.
والنافذة نصف المفتوحة كما اعتادت أن تتركها.
همس يوسف
الصورة متصورة من جوه… مش من بره.
ساد الصمت.
ثم قال آدم بصوت بارد
اقفلوا كل أجهزة الاتصال.
في ثوانٍ، أُغلقت الهواتف، وانقطعت أجهزة اللاسلكي.
لم يبق سوى سيارة الإسعاف تشق شوارع القاهرة القديمة في صمت ثقيل.
داخل الشقة…
كان رجل يرتدي قفازات سوداء يقلب الأدراج بهدوء.
رفع البلاطة المكسورة.
ابتسم.
لكن ابتسامته اختفت فورًا.
لا يوجد شيء.
همس بغضب
مستحيل…
بحث مرة أخرى.
ثم الثالثة.
ثم الرابعة.
لكن المكان كان فارغًا.
ضغط زرًا صغيرًا في أذنه.
الفلاشة مش هنا.
جاءه صوت غاضب
الصورة اتبعت لآدم من عشر دقايق. لازم تكون لسه موجودة.
أجاب الرجل
حد سبقنا.
ثم أغلق الاتصال.
ولم يكن يعلم…
أن عينين كانتا تراقبانه من سطح المنزل المقابل.
في سيارة الإسعاف…
سأل آدم ندى
هو المكان ده آخر مكان حطيتي فيه الفلاشة؟
هزت رأسها بالنفي.
نظر إليها عمر بدهشة.
يعني إيه؟
تنهدت ندى وقالت
أنا كذبت.
التفت الجميع إليها.
قالت وهي تحاول تمالك أعصابها
أبويا علمني حاجة… قال لي لو حسيتِ إن حد بيراقبك، عمرك ما تخبي الحاجة في المكان اللي هيتوقعوه.
ابتسم يوسف لأول مرة.
يبقى البنت طلعت أذكى من أبوها.
قال آدم
الفلاشة فين؟
أخرجت ندى سلسلة فضية كانت ترتديها حول رقبتها منذ سنوات.
كانت تحمل تعليقة صغيرة على شكل قلب.
فتحتها بظفرها.
ومن داخلها…
خرجت شريحة إلكترونية صغيرة لا يتجاوز حجمها حجم ظفر الإصبع.
قالت
دي هي.
تجمد عمر.
كل السنين دي كانت في رقبتك؟
أومأت.
ولا مرة سبتها.
نظر آدم إليها طويلًا.
ثم قال
دلوقتي فهمت ليه قتلوكِ في خططهم قبل ما يقتلوني أنا.
عاد الجميع إلى القصر تحت حراسة مشددة.
أُغلقت كل المداخل.
واستُدعي أفضل خبير تقني في مجموعة المنصوري.
وُضعت الشريحة داخل جهاز معزول تمامًا عن الإنترنت.
ظهرت نافذة واحدة.
أدخل كلمة المرور.
سأل آدم
أبوك قالك كلمة السر؟
هزت رأسها.
لا.
ظهرت رسالة أسفل الشاشة
ثلاث محاولات فقط.
قال عمر
لو فشلنا… كل الملفات هتتمسح.
أغمضت ندى عينيها.
بدأت تستعيد آخر ليلة مع والدها.
كان يقول
فيه حاجات عمرها ما بتتنسى.
وفجأة…
فتحت عينيها.
عرفتها.
كتبت كلمة واحدة.
أمي.
ضغطت زر الإدخال.
ثانيتان…
ثلاث…
ثم انفتح القرص.
امتلأت الشاشة بعشرات الملفات.
صور.
تقارير.
تحويلات مالية.
وأسماء مسؤولين ورجال أعمال.
لكن ملفًا واحدًا جذب انتباه الجميع.
عنوانه كان
المريض صفر.
فتحه آدم.
فظهرت صورة طفل لا يتجاوز الثامنة من عمره.
لكن ما جعل الدم يتجمد في عروق الجميع…
هو أن ملامح الطفل كانت تشبه آدم المنصوري بشكل مخيف.
همس يوسف وهو يرتجف
لا… ده مستحيل…
أما آدم، فظل يحدق في الصورة دون أن ينطق بكلمة.
وفي أسفل الملف ظهرت جملة واحدة كتبت قبل خمسة وعشرين عامًا
إذا وصل آدم إلى هذا الملف… فهذا يعني أن الحقيقة تأخرت كثيرًا.
وانتهى كل ما كان يعتقد أنه يعرفه عن عائلته في تلك اللحظة حدق آدم في الشاشة وكأن الهواء اختفى من الغرفة.
قال بصوت خافت
مين الطفل ده؟
تقدم يوسف بخطوات بطيئة، حتى اضطر أن يستند إلى الطاولة.
كانت يداه ترتجفان.
همس
أنا… أعرف الصورة.
التفت الجميع إليه.
رفع يوسف عينيه نحو آدم وقال
الصورة دي اتصورت في المستشفى العسكري… بعد أسبوع من ميلادك.
قطب آدم حاجبيه.
يعني ده أنا؟
هز يوسف رأسه ببطء.
لا.
ساد صمت طويل.
ثم نطق بالكلمة التي غيّرت كل شيء
ده أخوك.
تجمدت ندى في مكانها.
أما عمر فصاح
آدم معندوش إخوات!
قال يوسف بصوت مثقل بالندم
ده اللي كنا فاكرينه.
…
فتح آدم الملف التالي بسرعة.
ظهرت شهادة ميلاد قديمة.
اسم الطفل سليم المنصوري.
تاريخ الميلاد…
قبل آدم بسبع دقائق فقط.
همست ندى
توأم…
أومأ يوسف.
أبوك كان عنده ولدين.
نظر إليه آدم بعينين غاضبتين.
ليه عمري ما عرفت؟
أغلق يوسف عينيه للحظة.
لأن المستشفى أعلنت إن سليم مات بعد الولادة.
وده كان كذب.
…
بدأت الملفات تُفتح واحدًا تلو الآخر.
تقارير طبية.
صور.
تسجيلات.
ثم مقطع فيديو قديم.
ضغط عمر زر التشغيل.
ظهر والد آدم داخل غرفة صغيرة.
كان يبدو أصغر بعشرين عامًا.
نظر مباشرة إلى الكاميرا وقال
إذا كنت بتشوف الرسالة دي يا آدم… يبقى أنا غالبًا مت.
ابتلع آدم ريقه بصعوبة.
تابع والده
سليم ما ماتش.
اتخطف.
اللي خطفه… منظمة العقرب.
توقفت أنفاس الجميع.
وأضاف الرجل
كانوا محتاجين طفل يربوه بنفسهم… ويحولوه لسلاح يعيش وسط الناس.
…
انتهى الفيديو فجأة.
لكن بقي ملف صوتي آخر.
شغله آدم.
خرج صوت الدكتور فؤاد، والد ندى.
نجحت في الوصول لبعض ملفات العقرب.
الطفل اللي اختطفوه بقى دلوقتي قائد العمليات.
الاسم الحقيقي سليم المنصوري.
أما الاسم اللي بيستخدمه دلوقتي…
انقطع التسجيل لثانية.
ثم عاد الصوت.
…هو شاهين.
شهق عمر.
شاهين؟!
كان الاسم وحده كافيًا.
شاهين…
الرجل الغامض الذي لم يرَ أحد وجهه الحقيقي طوال عشرين عامًا.
العقل الذي يدير الاغتيالات من الظل.
الاسم الذي كانت تخشاه كل العصابات.
…
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف آدم.
رقم مجهول.
ضغط زر الرد.
جاءه صوت هادئ جدًا.
مساء الخير… يا أخويا.
لم ينطق آدم.
تابع الصوت
واضح إنك عرفت الحقيقة.
بس للأسف…
ضحك ضحكة قصيرة.
عرفتها متأخر.
ثم أغلق الخط.
وفي اللحظة نفسها، دوى انفجار هائل في الطابق السفلي للقصر، واهتزت الجدران بينما انطفأت الأنوار، لتبدأ المواجهة التي انتظرها الجميع سنوات طويلة… يتبع انطفأت الأنوار بالكامل.
ولثانيتين…
لم يُسمع في القصر سوى صوت أجهزة الإنذار.
ثم دوى صوت عمر
حماية آدم وندى! الكل على مواقعهم!
أضاءت مصابيح الطوارئ الحمراء الممرات، فتحول القصر إلى متاهة من الظلال.
أخرج آدم مسدسه، بينما أمسك عمر بجهاز الاتصال الاحتياطي.
الدور السفلي اتضرب… لكن الانفجار كان محدود.
رد أحد الحراس بصوت متقطع
فيه… فيه حد دخل قبل الانفجار… وبعدين اختفى.
في غرفة المراقبة…
كانت عشرات الشاشات تعرض بث الكاميرات.
لكن فجأة…
انقلبت جميع الصور إلى شاشة سوداء.
ثم ظهرت عليها كلمة واحدة باللون الأبيض
متأخرين.
ضغط خبير التقنية على لوحة التحكم بعصبية.
حد اخترق النظام من جوه!
سأل آدم
قد إيه هيحتاجوا يوصلوا لغرفة الملفات؟
أقل من دقيقتين.
نظر آدم إلى ندى.
خدي الفلاشة واطلعي مع يوسف من الممر السري.
هزت رأسها بعناد.
مش هسيبك.
قال بهدوء
لو وقعنا إحنا الاتنين… كل اللي أبوكي ضحى عشانه هينتهي.
ترددت للحظة…
ثم أمسكت الفلاشة بقوة.
في الطابق السفلي…
كان الدخان يملأ المكان.
ومن بينه خرج خمسة رجال يرتدون ملابس سوداء وأقنعة فضية على شكل عقرب.
تحركوا بصمت، وكأنهم تدربوا على كل زاوية في القصر.
لكن قبل أن يصلوا إلى السلم…
انفتح باب جانبي.
وخرج عمر.
وحده.
ابتسم قائد المجموعة.
واحد بس؟
أجاب عمر وهو يجهز سلاحه
يكفي.
انطلقت أول رصاصة.
ثم الثانية.
وخلال ثوانٍ تحول الممر إلى ساحة اشتباك.
سقط اثنان من رجال العقرب.
لكن البقية واصلوا التقدم بلا تردد.
في الممر السري…
كانت ندى تساعد يوسف على السير.
وفجأة…
توقف العجوز.
نظر إلى الجدار الحجري.
وقال
استني.
ضغط على حجر صغير يكاد لا يُرى.
فانفتح تجويف داخل الحائط.
أخرج منه ظرفًا جلديًا قديماً.
ناولَه إلى ندى.
أبوك سابه هنا من عشرين سنة.
فتحت الظرف بسرعة.
وجدت بداخله صورة قديمة.
آدم طفل صغير.
وبجواره طفل آخر يشبهه تمامًا.
لكن خلف الطفل الثاني…
وقف رجل لم يكن أحد يتوقع وجوده.
حدقت ندى في الصورة.
ثم شهقت.
ده…
نظر يوسف إليها بحزن.
عرفتيه؟
قالت بصوت مرتجف
ده الدكتور فؤاد… أبويا.
تجمد يوسف.
إيه؟
أشارت إلى الرجل الواقف خلف الطفلين.
أبويا كان مع والد آدم… قبل اختطاف سليم.
وفي ظهر الصورة كانت هناك عبارة بخط اليد
إذا فشلنا في إنقاذ سليم… فسيعود يومًا ليهدم كل شيء.
في تلك اللحظة…
اهتز الممر السري بعنف.
وسقطت الحجارة من السقف.
وصل صوت آدم عبر جهاز الاتصال، لكنه كان متقطعًا
ندى… اسمعيني… الخائن… مش من رجالنا…
ثم انقطع الصوت تمامًا.
ساد الصمت.
رفعت ندى رأسها ببطء.
ونظرت إلى يوسف.
ثم قالت الجملة التي جعلت ملامحه تتغير فجأة
الخائن… يمكن يكون واحد إحنا عمرنا ما شكينا فيه.
وفي اللحظة نفسها…
وصل صوت إطلاق نار من داخل الممر السري نفسه.
أي أن العدو…
لم يعد أمامهم فقط.
بل أصبح خلفهم أيضًا ارتد صدى الطلقات داخل الممر الحجري الضيق.
أمسك يوسف بذراع ندى بقوة.
اطفي الكشاف.
غرقت الممرات في





