جبل الراوي ج١

“البت صغيرة يا جدي.. ما تنفعنيش.”
الد م فار في عروقي. صغيرة؟ مقدرتش أمسك نفسي. زقيت الباب زقة صغيرة وصرخت من ورا الباب وصوتي بيترعش بس راسي مرفوعة، وكل الرجالة
اللي جوه اتصدمت وبصت ناحيتي:
“ومين قالك إني أرضى بيك يا جبل الراوي؟ إنت كبيرك تخوف العيال في الشارع، إنما أنا ما يلزمنيش راجل قلبه حجر ومات جوه ضلوعه زيك!”
أبويا قام مفزوع وزعق: “إدخلي جوه يا قمر! عيب!”
جبل قام وقف. لما قام المنظرة كلها قامت. مشي ناحية الباب بخطوتين تقال، ووقف قدامي، الباب بس اللي بيني وبينه. ريحته كانت عود. وطى صوته لدرجة مسمعهاش غيري أنا وأمي:
“قلبي حجر؟ هتشوفي الحجر ده هيعمل فيكي إيه لما تبقي على اسمي.”
وسابني ومشي طلع من المنظرة، وراه كل عيلة الراوية.
وانكتب كتابي وأنا واقفة ورا باب المنظرة بجلابية البيت، من غير زغروطة واحدة. انكتب على جبل الراوي.. وبقيت مراته وعلى اسمه وانا معرفش ايه اللي مستنيني هناك
بالليل كنت في أوضتي بلم شنطة صغيرة. أمي بتعيط وبتحط لي هدومي. أبويا دخل وقعد جنبي وقال:
“يا بتي.. أنا برميكي في النار عشان أنقذ إخواتك الصبيان من الموت.. جبل راجل.. والراجل الحنين رزق، بس الراجل اللي يحميكي رزقين.”
قبل الفجر، خدوني على بيت الراوية. بيت كبير أوي، سوره عالي، منور بلمض كتير. أول ما دخلت لقيت الحريم كلها واقفة مستنياني. في النص ست لابسة أسود في أسود، وشها قاسي زي الحجر.. الحاجة صفية أم جبل.
بصتلي من فوق لتحت وقالت:
“أهلاً
بعروسة التار.. نورتي بيت اللي قتـ. لتي ولده.”
الكلمة نزلت على قلبي زي السكـ. ينة.
وفي اللحظة دي سمعت صوت خطوات تقيلة ورايا. عرفت إنها خطواته من غير ما أبص.
جبل دخل، قال للحريم “خشوا جوه” فكلهم اختفوا كأن الأرض انشقت وبلعتهم.
فضلت أنا وهو في الحوش الكبير لوحدنا.
بصلي وقال: “أوضتك فوق.”
طلعت وراه وأنا شايلة شنطتي، دخلت أوضة كبيرة، سرير كبير وفستان فرح أبيض محطوط عليه. هو اللي جايبه؟
دخل قلع عبايته ورماها على الكرسي، وبعدين بصلي وقال الجملة اللي مستنياها من الصبح:
“بصي يا بنت الناس.. إنتي هنا عشان الصلح، ليكي احترامك وأكلك وشربك واسمك على اسمي، والكل هنا تحت رجلك.. بس ما تستنيش مني لا كلمة حلوة ولا قلب حنين.. أنا قلبي مدفون مع أخويا.”
