روايه كامله للكاتبه نريمين عادل ٢

من اللحظة دي.. ما بقيتش شايفه نفسي، ما بقيتش شايفه أي حاجة في العالم ده غير وشوش أطفالي! بقيت أمشي وأنا شايلأهم في صدري قبل ما أشيلهم في إيدي. قعدت أفكر: أسيب نفسي ولا أسيبهم؟ أي طريق فيه نجاتي ما بيمديش إلا من خلالهم! صليت وبكيت ودعيت، وقلت من قاع قلبي: “يا رب.. مفيش حد فاهمني غيرك.”
وبعد أيام.. دخلت على أبويا بهدوء غريب ما عرفتش جاني منين، وقلت له: ـ “أنا راجعة لجوزي.”
صرخت أمي بذهول: ـ “مستحييييل!”
بصيت لها بثبات عمري ما حسيت بيه في نفسي قبل كده، وقلت لها: ـ “راجعة عشان عيالي.. مش عشانه! ومن النهاردة، أنا هحارب عشان نفسي وعشان ولادي وبس.”
رجعت.. دخلت البيت فلقيت الخراب في كل حاجة؛ في الحيطان، في الوشوش، وفي الروح! أطفالي كانوا زي الأيتام؛ بنتي شعرها معكوك، هدومهم مبهدلة، والبيت مقلوب. ركضوا عليا وهما بيصرخوا: ـ “ماما ما تسيبناش تاني!”
ضمتهم لصدري وقلت لهم: ـ “أنا عمري ما هسيبكم أبداً.”
نضفت البيت، غسلتهم، سرحت شعر بنتي، وضحكنا شوية.. كأن الضحك ده كان محاولة يائسة عشان نرمم بيه اللي اتهدم.
وهو؟ كان واقف يراقب، مستني إني أتكلم، وأنا بتعامل كأني مش شايفاه أصلاً! أكلت مع أطفالي، ذاكرت لهم، ونمّتهم.. وبعدين دخل ورايا الأوضة وقال: ـ “مش هنتكلم؟”
قلت ببرود عمري ما عرفته في نفسي قبل كده: ـ “نتكلم عن إيه؟ روح سخن أكلك من المطبخ!”
من اللحظة دي.. انتهى مصطفى! وانتهت معاه الست القديمة اللي كنتها. وبدأت حياتي من جديد.
وفي رأسي.. اتفتحت فجأة نافذة نور، كأن أوضة مطفية من سنين اتنورت دفعة واحدة! “ليه ما أرجعش أكمل تعليمي؟ أنا كنت شاطرة ومجتهدة، وسبت المدرسة عشان الجواز وعشان كلام الناس والبلد!”
قمت في نفس اليوم، لبست وذهبت للمدرسة الثانوية اللي درست فيها. دخلت وقابلت الأبلة اللي كانت دايماً تقول لي: ـ “يا فاطمة.. انتي لازم تدخلي جامعة!”
فرحت أوي أول ما شافتني وسألتني عن أخباري، فقلت لها بهدوء وشجاعة: ـ “أنا عايزة أرجع أكمل تعليمي.”
بصت لي باستغراب جميل وقالت: ـ “طبعاً ينفع!”الكاتبة نرمين عادل همام
قلت لها: ـ “بس أنا عندي أولاد والظروف صعبة، ومش هقدر أداوم كل يوم.”
ابتسمت وقالت: ـ “ولا يهمك.. بس لازم تمتحني اختبار القبول.”
قلت بثبات: ـ “أنا مستعدة لأي حاجة!”





