جوزي

فرحة، كان قرارًا أخده يوم ولدت بنتي الكبيرة…
قرار ما حكاهوليش أبدًا وقفت مكاني وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
قلت لجوزي
مين الشخص ده؟
بص حوالين منه، كأنه خايف حد يسمع.
مش هينفع أقولك هنا.
رديت بعصبية
لا، هينفع. كفاية أسرار!
أخو جوزي قرب وقال
محمد، قول لها. هي من حقها تعرف.
محمد بص له بغضب
إنت عايز تخلص مني؟
رد أخوه
أنا اللي غلطت، ولازم أتحمل.
أنا دخلت بينهم
حد يفهمني!
سكتوا.
فجأة حماتي قالت
تعالي معايا.
مشيت وراها لحد أوضة بعيدة عن الناس.
قفلت الباب.
وقفت قدامي وهي بتعيط.
قالت
أنا عارفة إنك شايفة ابني ظلمك.
قلت
لأنه ظلمني فعلًا.
هزت رأسها.
وعندك حق.
الكلمة دي وجعتني أكتر.
طيب ليه؟
قالت
لأن ابني كان فاكر إن لو عاش حياتكم بشكل طبيعي، الناس اللي حواليه هتستغل وجودك والولاد للضغط عليه.
استغربت
مين الناس دي؟
قالت
ناس من زمان.
مين؟
سكتت.
ثم قالت
الشخص اللي رجع دلوقتي… كان سبب إن جوزك يخسر مبلغ كبير جدًا.
قلت
بس إنتوا قلتوا إن أخوه السبب.
قالت
أخوه كان جزء من الحكاية.
سكتت لحظة.
لكن مش كل الحكاية.
جلست على السرير.
كملي.
قالت
قبل جوازكم بسنة، كان في شخص شريك معاه في شغل.
مين؟
قالت
اسمه سامح.
الاسم ما كانش غريب.
لكن أنا ما افتكرتش إني سمعته قبل كده.
قالت
سامح ده كان بيحاول يستولي على جزء كبير من شغل محمد.
وعمل إيه؟
لفق له مشكلة مالية.
قلت
وبعدين؟
محمد اضطر يتحمل الخسارة، وأخوكِ في القانون دخل يساعده، وده اللي عمل الأزمة اللي حكيت لك عنها.
سكت.
ثم قالت
لكن سامح اختفى.
سألت
واختفى ليه؟
ردت
هرب.
وفجأة سمعت صوت خبط على الباب.
اتفتح الباب.
دخل محمد.
قال
ماما، لازم نمشي.
بصيت له
إحنا هنمشي؟
قال
أنا والولاد.
وأنا؟
سكت.
قلت
أنا مش هسيبكوا تمشوا من غير ما أفهم.
قال
مفيش وقت.
رديت
إنت طول عمرك بتقول مفيش وقت.
بص لي.
المرة دي الموضوع خطر.
قلبي دق.
خطر إزاي؟
قال
سامح موجود هنا.
فين؟
رد
في الشاليه.
اتصدمت.
إيه؟
قال
هو الشخص اللي كان بيتصل بيا.
سألته
طب هو عايز إيه؟
قال
فلوس.
قلت
طب وإنت هتديله؟
هز رأسه
لا.
أمال؟
قال
هو عايز حاجة تانية.
سألته
إيه؟
بص لي طويلًا.
ثم قال
عايز المستندات.
أي مستندات؟
قال
المستندات اللي تثبت إن الشركة بتاعتي بقت ملكي بالكامل.
بدأت أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف قديم.
قلت
ولو ما اديتوش؟
رد
هددني إنه هيطلع أسرار قديمة.
قلت
أسرار تخصك؟
قال
تخصني وتخص أخويا.
وقفت.
يعني أخوك عمل حاجة غلط فعلًا؟
أخوه دخل في اللحظة دي وقال
أنا هقولك.
بص لمحمد.
محمد سكت.
قال أخوه
أنا زمان وقعت على ورق من غير ما أفهم كل بنوده.
قلت
ورق إيه؟
قال
عقد شراكة.
وبعدين؟
العقد ده كان ممكن يخلّي سامح يطالب بجزء من الشركة.
محمد قال
بس أنا لحقت الموضوع.
سألت
إزاي؟
قال
بعت جزء من أملاكي وسددت الالتزامات.
ثم نظر لي.
وده السبب اللي خلاني أكره الصرف.
سكت.
بدأت الصورة تتجمع.
هو مش بخيل بالشكل اللي كنت فاهمه.
كان عايش طول السنين في خوف.
لكن خوفي أنا وأولادي من بروده كان حقيقي برضه.
قلت له
أنا فاهمة خوفك دلوقتي.
سكت.
لكن ده مش مبرر إنك تحرم ولادك من أبسط حقوقهم.
هز رأسه.
عارف.
وإنك تخليني أحس إني مش مرغوبة.
قال
عارف.
وإنك قدام أهلك تبقى شخص تاني؟
سكت.
ثم قال
أنا كنت بحاول أهرب من كل حاجة بتفكرني بالماضي.
قلت
بس إحنا مش الماضي.
نظر لأولاده.
عارف.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت ضحك جاي من بره.
محمد وقف فجأة.
ملامحه اتغيرت.
قال
هو وصل.
خرجنا كلنا.
وكان في رجل واقف عند باب الشاليه.
أول ما شافه محمد، اتجمد مكانه.
الرجل ابتسم وقال
وحشتني يا محمد.
أنا بصيت لجوزي.
لكن اللي صدمني إن بنت خالته أول ما شافت الرجل ده، وشها اتغير هي كمان.
قربت منها وسألتها
إنتِ تعرفيه؟
ما ردتش.
الرجل بص لي وقال
وأنتِ أكيد مراته.
محمد وقف قدامي مباشرة.
قال
متتكلمش معاها.
الرجل ضحك.
ليه؟
ثم بص لي وقال
هي لازم تعرف الحقيقة.
محمد رد بغضب
امشي.
الرجل قال
لو مشيت، هخليها تعرف كل حاجة بالطريقة الصعبة.
أنا بصيت لجوزي.
كل حاجة؟
الرجل ابتسم.
ثم قال جملة واحدة قلبت كل اللي كنت فاهمته
اسألي جوزك مين اللي دفع تمن أول بيت عشتوا فيه… وليه الفلوس دي اختفت من حسابك إنتِ بالذات.
اتجمدت.
حسابي أنا؟
بصيت لمحمد.
وشه كان أبيض.
وهنا فهمت إن في جزء من الحكاية لسه محدش قالهولي…
وجزء أخطر بكتير مما تخيلت وقفت وأنا مش فاهمة أي حاجة.
بصيت لجوزي وقلت
مرتبط بيا إزاي؟
ما ردش.
قلت تاني، بصوت أعلى
إيه علاقة بنتي بالموضوع؟
حماتي بدأت تمسح دموعها وقالت
إحنا غلطنا إننا سكتنا كل السنين دي.
بصيت لها بحدة
غلطتوا؟! ده أنا عشت سنين كاملة وأنا فاكرة إن جوزي مش طايقني أنا وولاده!
جوزي قرب مني وقال
أنا عارف.
قلت
عارف؟!
رد بهدوء
عارف كل حاجة.
وعملت كده برضه؟
نزل عينه للأرض.
كنت فاكر إن ده أهون.
صرخت
أهون من إيه؟!
سكت.
وهنا أخوه تدخل لأول مرة
من إني أخسر بيته.
لفيت له.
بيته؟
قال
أخويا كان بيحاول يحل مشكلة أنا كنت السبب فيها.
جوزي بص له بغضب
اسكت.
لكن أخوه كمل
أنا اللي كنت مديون.
حماتي قالت
كفاية يا ابني.
قال
لا يا أمي. هي لازم تعرف.
ثم بص لي
أنا كنت داخل في مشروع وفشل. وكان عليا مبلغ كبير. جوزك وقتها كان الوحيد اللي يقدر يساعدني.
بصيت لجوزي.
ساعدته؟
قال
آه.
طب إيه المشكلة؟
رد أخوه
المشكلة إن المبلغ كان أكبر من اللي يقدر عليه.
وسكت لحظة.
فباع جزء من استثماراته، وخسر صفقة كبيرة، واضطر ياخد قرض.
قلت
وإيه علاقة بنتي؟
هنا جوزي رفع عينه لي.
وقال
يوم ما بنتنا الكبيرة اتولدت، البنك كان طالب مني أسدد جزء كبير من القرض.
قلت
وبعدين؟
قال
أنا كان قدامي اختيارين.
سكت.
إما أبيع البيت اللي كنا عايشين فيه… أو أخاطر بكل اللي جمعته وأدخل شراكة جديدة.
قلت
وإنت اخترت إيه؟
قال
الشراكة.
ليه؟
عشان ما أخليش ولادي يعيشوا من غير بيت.
سكت لحظة، ثم قال
والشراكة نجحت.
قلت
يبقى إيه اللي حصل؟
قال
من يومها وأنا بقيت خايف.
خايف من إيه؟
قال
خايف أرجع لنقطة الصفر.
اتصدمت.
يعني كل اللي كنت بتعمله فينا كان بسبب خوفك من الفلوس؟
قال
أيوه.
قلت
بس إنت دلوقتي مرتاح جدًا!
رد
أنا مرتاح دلوقتي، بس دماغي لسه عايشة في اليوم ده.
سكت.
لكن رغم كل اللي قاله، كان في حاجة لسه مش داخلة دماغي.
قلت
طيب لو أنت خايف على فلوسك، ليه قدام أهلك بتصرف من غير حساب؟
ما ردش.
بصيت ناحية بنت خالته.
ثم قلت
وليه معانا أنا والولاد بالذات بتبقى شديد؟
هنا حماتي قالت
لأنك أكتر واحدة كان بيخاف تخسريه.
ضحكت بمرارة.
هو كان بيخاف أخسره؟ ده أنا كنت كل يوم بحس إني أنا اللي مش مرغوب فيا!
جوزي قرب مني.
أنا كنت فاكر إن لما أحوش وأأمن مستقبلنا، أبقى كده بحبكم.
قلت
بس الحب مش فلوس بس.
سكت.
ثم قلت
الولاد مش محتاجين أبوهم يدفع لهم كل حاجة. كانوا محتاجين يشوفوه مبسوط معاهم.
نظر ناحية أولادي.
كانوا واقفين بعيد، ساكتين.
ابني الصغير قال فجأة
بابا… هو إنت زعلان مننا؟
جوزي اتجمد.
قرب منه.
ونزل لمستواه.
وقال
لا يا حبيبي.
ابني سأله
طب ليه لما بنقول لك نسافر بتزعل؟
جوزي ما عرفش يرد.
الولد كمل
إحنا كنا فاكرين إنك مش بتحب تسافر معانا.
وشه اتغير.
قرب ابني منه ر.
وأنا لأول مرة شفت عينيه بتلمع.
قال له
أنا آسف.
ابني بص له باستغراب.
على إيه؟
قال
على حاجات كتير.
لكن وأنا واقفة بتفرج، لفت نظري شيء غريب.
بنت خالته كانت واقفة بعيد، وبتبص لجوزي بنظرة حزينة.
وبمجرد ما عيوننا اتقابلت، بصت في الأرض.
هنا افتكرت كل اللي حصل من أول ما وصلنا.
الضحك.
الهزار.
تصرفه المختلف.
نظرات حماتي.
والموضوع القديم.
قربت منها وقلت بهدوء
إنتِ عارفة حاجة أنا معرفهاش؟
رفعت عيني لها.
وقالت
أيوه.
قلبي دق بسرعة.
إيه؟
قالت
بس لو قلت لك… جوزك هيزعل مني.
قلت
أنا مش عايزة أوقع بينكم.
سكتت.
ثم قالت
أنا عايزة أحكي لك الحقيقة.
وقبل ما تبدأ كلامها، جوزي ظهر فجأة ووقف بيننا.
وقال
مفيش حاجة تتحكي.
بصيت له.
وقلت
لأ.
ثم لأول مرة مسكت إيده وأبعدتها عني بهدوء.
المرة دي أنا اللي هقرر أعرف أو ما أعرفش.
اتوتر.
وقالت بنت خالته
خلاص يا محمد…
سكتت فجأة.
أنا ركزت في الاسم.
محمد؟
جوزي بص لها.
وهي قالت
آسفة.
قلت
إنتِ كنتِ هتقولي إيه؟
لكنها ما ردتش.
فجأة رن تليفون جوزي.
بص للشاشة.
وتغير لون وشه.
سألته
مين؟
قال
الشغل.
رد.
فضل ساكت ثواني.
ثم قال
إيه؟
ملامحه اتبدلت تمامًا.
وأول ما قفل، بص لأخوه وقال
الموضوع اتفتح من جديد.
أخوه شحب.
أنا قربت
موضوع إيه؟
جوزي بص لي للحظات.
ثم قال
المشكلة القديمة رجعت.
وسكت.
لكن اللي قاله بعدها خلاني أحس إن كل حاجة حصلت النهارده كانت مجرد بداية…
والشخص اللي حرّك الموضوع من جديد… موجود هنا معانا في الشاليه بصيت للصورة مرة واتنين، وعيني اتسعت من الصدمة.
قلت بصوت متقطع
ده… عماد.
محمد اتحرك بسرعة، وخطف الموبايل من إيد سامح.
إنت جبت الصورة دي منين؟
سامح رد بهدوء
من نفس المكان اللي جبت منه باقي الأدلة.
أنا ما كنتش قادرة أركز.
عماد كان واحد من أقرب الناس لعيلتنا، وشوفته مئات المرات في مناسبات عائلية، وكان دايمًا بيتعامل معايا كأنه أخويا الكبير.
قلت
هو ماله بالموضوع؟
محمد سكت.
صرخت
حد يرد عليا!
حماتي قالت وهي بتبكي
عماد كان شغال مع والدك.
اتجمدت.
شغال مع أبويا؟
أيوه.
وعمل إيه؟
حماتي بصت لمحمد.
محمد قال
هو اللي كان بيمرر المعلومات لسامح.
سامح هز رأسه
في الأول آه.
سألته
وبعدين؟
قال
وبعدين قلب عليا.
محمد تدخل
عماد كان عايز يستولي على المشروع كله.
بدأت أفهم.
يعني هو اللي تسبب في كل الخسائر دي؟
سامح قال
جزء كبير منها.
ثم بص لي
والدك اكتشف الحقيقة قبل ما يموت.
اتسعت عيني.
أبويا عرف؟
أيوه.
طب ليه ما قالش لي؟
سامح سكت.
محمد رد بدلًا منه
لأنه كان خايف عليكِ.
ضحكت بمرارة.
تاني كلمة خايف عليكِ!
ثم بصيت له
كل واحد فيكم بيقرر يخبي عني الحقيقة بحجة إنه بيحميني.
محمد قرب مني وقال
كنت فاكر إن لو عرفتي كل حاجة، هتكرهي عيلتي.
قلت
وأنا دلوقتي؟
سكت.
مش عارفة أكره مين فيكم أصلًا.
فجأة سمعنا صوت عربية برا الشاليه.
سامح بص ناحية الباب.
هو وصل.
محمد اتوتر.
مين؟
سامح قال
عماد.
حماتي شهقت.
وأخوه قال
إحنا لازم نمشي.
محمد رفع إيده
محدش يتحرك.
بصيت له
ليه؟
قال
لأن لو عماد شاف إن سامح هنا، هيعرف إن كل حاجة اتكشفت.
وفجأة خبط حد على الباب.
خبطة واحدة.
ثم خبطتين.
الكل سكت.
ابني الصغير قرب مني ومسك إيدي.
ماما…
جوزي وقف قدامنا.
الخبط رجع تاني.
أقوى.
ثم سمعنا صوت عماد
محمد… افتح.
محمد بص لي.
وأنا لأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينه.
قال بصوت منخفض
خلي الولاد وراكي.
رديت
إنت هتعمل إيه؟
هفتح.
قلت
لو هو خطر؟
بص لي وقال
مش هسمح له يقرب منك.
فتح الباب.
دخل عماد بهدوء، وابتسامة غريبة على وشه.
بص لكل الموجودين.
ثم وقعت عينه على سامح.
ابتسامته اختفت.
قال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
سامح رد
وأنا كنت مستنيه.
عماد بص لمحمد.
إنت اخترت تصدق سامح؟
محمد قال
أنا ما صدقتش حد.
ثم أشار للظرف.
أنا لقيت الأدلة بنفسي.
عماد ضحك.
أدلة؟
قال محمد
أيوه.
عماد بص لي.
ثم قال
مراتك ما تعرفش حاجة.
أنا اتدخلت
لأ، أنا هعرف.
بص لي باستغراب.
قلت
كفاية إن كل حياتي اتبنت على أسرار مش من حقي أعرفها.
عماد قال
والدك كان عارف.
قلت
عارف إيه؟
سكت.
قلت
رد.
قال
عارف إن محمد كان السبب في إنك تكملي حياتك بعيد عن الحقيقة.
بصيت لمحمد.
إيه معنى الكلام ده؟
محمد ما ردش.
عماد كمل
والدك كان عايز يقولك كل حاجة قبل ما يموت.
سألته
وليه ما قالش؟
قال
لأن محمد منعه.
حسيت بصدمة جديدة.
بصيت لجوزي
منع أبويا؟
محمد قال
أنا ما منعتهوش.
عماد ابتسم
يبقى اسأليه عن اللي حصل في آخر مرة قابل فيها والدك.
محمد سكت.
أنا قربت منه
إنت قابلت أبويا قبل وفاته؟
قال
أيوه.
وإيه اللي حصل؟
ظل ساكتًا.
صرخت
محمد!
أخيرًا قال
أبوك طلب مني وعد.
وعد إيه؟
إنّي ما أقولكش الحقيقة.
سألته
ليه؟
قال
لأنه كان عارف إن الموضوع ممكن يأذيك.
قلت
وأنا؟
ثم أشرت إلى أولادي.
إحنا اللي اتأذينا بدلًا منك.
محمد نزل عينه.
لكن عماد قال
لأ… دي مش الحقيقة كلها.
لفيت له.
إنت لسه عندك إيه؟
قال
في حاجة واحدة محدش قالهالك.
سكت الجميع.
ثم قال
الفلوس اللي محمد كان بيحوشها كل السنين دي…
توقف.
ما كانتش عشان نفسه.
بصيت لمحمد.
أمال عشان إيه؟
عماد قال
عشان يرجع حق أبوك.
اتسعت





