جوزي

وسأل
تحبوا تشربوا إيه؟
وبعدها
نطلب الغدا منين؟
أنا وقفت مكاني مش مستوعبة.
هو ده جوزي؟
نفس الشخص اللي لو طلبت منه يساعدني في شنطة واحدة يقول
إنتِ مش قادرة تشيليها؟
دخلت وراه المطبخ أحاول أساعد.
وأول ما شافني، ملامحه اتغيرت في ثانية.
اختفت الابتسامة.
ورجع الوش اللي أعرفه.
قال ببرود
شوفي العيال ونضفي لهم هدومهم، بلاش دوشة.
بصيت له وأنا ساكتة.
ما رديتش.
لكن جوايا سؤال واحد كان بيكبر
ليه؟
ليه بيقدر يكون حنين ولطيف ومرح مع غيرنا، لكن أول ما يشوفني أنا وأولاده بيتحول لشخص تاني؟
وفي العصر نزلنا كلنا البحر.
وهناك كانت الصدمة الأكبر.
جوزي كان بيصرف بلا حساب.
عزائم.
عصاير.
أكل.
طلبات.
ضحك.
هزار.
وأنا فاكرة كويس إنه في بيتنا كان بيحسب علبة العصير على الولاد ويقول
تبذير على الفاضي.
ابني الصغير مسك إيدي، وفضل يبص ناحية باباه.
كان شايفه بيضحك وبيهزر ويلعب في المية.
وبعدين بص لي وقال
ماما…
نعم يا حبيبي؟
قال ببراءة
هو بابا فرحان كده عشان مسافر مع طنط وخالتو؟ ولا هو مكنش بيحبنا إحنا لما كان بيسافر معانا؟
حسيت إن حد ضربني في قلبي.
ما عرفت أرد.
دخلت الأوضة بحجة إني هجيب حاجة للولاد.
وقعدت على طرف السرير.
لأول مرة سمحت لنفسي أفكر من غير ما أبرر له.
يمكن المشكلة فعلًا مش في الشغل.
ولا في الفلوس.
ولا في إنه شخص جاد.
يمكن الحقيقة أبسط وأوجع.
يمكن هو قادر يفرح…
بس مش معانا.
مسحت دموعي، وخرجت تاني.
وقفت على الشط، لكن المنظر اللي شوفته بعدها خلاني أتجمد مكاني.
كان جوزي في المية.
بيجري ورا بنت خالته ويهزر معاها.
يرش عليها المية وهي تضحك.
وكل شوية يقرب منها ويهزر بطريقة ما شفتهاش منه طول سنين جوازنا.
وبعدين شالها من المية وهي بتضحك وتقول له
نزلني!
والأغرب إنه كان بيضحك من قلبه.
ضحكة واسعة، حقيقية.
ضحكة عمر ولادي ما شافوها منه في مصيف.
بنتي الكبيرة كانت واقفة جنبي.
شدت طرف فستاني وقالت بصوت مرتجف
ماما…
بصيت لها.
قالت
هو بابا بيعمل كده ليه؟ مش كان بيقول إن البحر لعب عيال؟ ومش كان بيقول إن جسمه بيوجعه؟
الكلمة وجعتني.
افتكرت كل مصيف قضيناه.
كان يقعد بعيد.
يرفض ينزل البحر.
ولو الأولاد رشوا عليه نقطة مية، يزعق
أنا مش ناقص وجع دماغ! روحوا اقعدوا جنب أمكم.
بصيت ناحية حماتي وخالتها.
لقيتهم بيتبادلوا نظرات وابتسامات غريبة.
كأن اللي بيحصل قدامهم شيء طبيعي جدًا.
كأن وجودي أنا وأولادي وسطهم مجرد تفصيلة مالهاش قيمة.
حسيت بالإهانة بتخنقني.
مش عشان لعبه وضحكه بس.
لكن عشان لأول مرة فهمت قد إيه كنت بظلم نفسي وأنا ببرر له كل حاجة.
كنت طول السنين أقول
مضغوط.
متعب.
طبيعته كده.
بيحبنا بس مش بيعرف يعبر.
لكن أولادي كانوا شايفين الحقيقة قبلي.
سيبتهم يلعبوا على الرملة، ومشيت ناحية البحر.
وقفت على الحافة وناديت بصوت عالي، ثابت، ومسموع لكل اللي حوالينا
تعالى هنا حالًا!
أول ما سمع صوتي، وقف.
نزل بنت خالته بسرعة.
وطلع من المية.
وفي ثواني، اختفت الضحكة من وشه.
رجع نفس البرود اللي أعرفه.
وقف قدامي وهو بينفخ بضيق وقال
خير؟ جاية تنكدي علينا هنا كمان؟
بصيت له ثواني طويلة.
المرة دي ما كنتش هسكت.
ولا هقول له معلش.
ولا هبرر لأولادي تصرفاته.
قلت له بهدوء
أنا مش جاية أنكد عليك.
وبصيت ناحية أولادي.
أنا جاية أسألك سؤال واحد بس…
سكت.
فقلت
إنت ليه طول السنين دي كنت بتخلينا نحس إن فرحتنا عبء عليك؟
وشه اتغير.
لكن قبل ما يرد، حماتي قامت من مكانها وقالت بعصبية
هو إنتِ هتعملي مشكلة قدام الناس دلوقتي؟
لفيت لها.
ولأول مرة، ما خفتش من زعلها.
قلت
لا يا حماتي… أنا مش هعمل مشكلة.
وبصيت لجوزي.
أنا بس عايزة أفهم الحقيقة.
اتوتر.
قال
أي حقيقة؟
ابتسمت ابتسامة حزينة وقلت
الحقيقة اللي خلت ولادك يسألوني النهارده هو بابا بيحب الناس دي أكتر مننا؟
سكت المكان كله.
حتى حماتي ما لقتش رد.
لكن اللي حصل بعدها كان أغرب مما توقعت…
لأن جوزي بص ناحية بنت خالته، وبعدين بص لأمه، وفجأة قال جملة واحدة خلتني أعرف إن اللي كنت شايفاه طول السنين ما كانش الحقيقة كاملة.
إنتِ فاهمة الموضوع غلط… وماما كانت مخبية عنك حاجة من زمان.
نظرت لحماتي.
وشها اتغير.
وساعتها عرفت إن في سر قديم، وأنا آخر واحدة في العيلة تعرفه…وقفت مكاني وأنا ببص لحماتي.
لأول مرة أشوف الخوف واضح في عينيها.
قلت لجوزي
إيه اللي ماما مخبياه عني؟
حماتي تدخلت بسرعة
مفيش حاجة يا بنتي، هو قال كده عشان يخلص من الكلام.
لكن جوزي ما بصش لها.
فضل ساكت.
وأنا قربت منه خطوة وقلت
لأ… دلوقتي لازم أعرف.
قال بضيق
مش هنا.
ضحكت بمرارة
هو إنت طول عمرك بتقول مش هنا. لما أسألك ليه مبتخرجناش تقول مش وقته. لما الولاد يسألوك ليه مبتلعبش معاهم تقول تعبان. لما أقولك ليه بتعامل أهلك بطريقة مختلفة تقول أنا حر.
وسكت لحظة، ثم قلت
لكن النهارده أنا شفت بعيني.
حماتي قالت
إنتِ بتكبري الموضوع ليه؟ دي بنت أختي.
رديت
وأنا قلت إنها إيه؟
قالت بسرعة
يبقى خلاص.
بصيت لجوزي
هي مش المشكلة. المشكلة إنك عمرك ما كنت بالشكل ده معايا ولا مع ولادك.
سكت.
ابني الصغير كان واقف بعيد شوية، وبنتي الكبيرة ماسكة إيده.
الاتنين كانوا بيتابعونا.
وفجأة جوزي قال
الولاد يدخلوا جوه.
قلت
لأ.
بص لي باستغراب.
قلت
المرة دي هسمع الإجابة قدامهم، عشان أنا تعبت من إني أكذب عليهم عشان أطلعك في صورة كويسة.
اتعصب
يعني إيه تكذبي عليهم؟
قلت
يعني كل مرة كانوا يسألوني ليه بابا مش بيحب يخرج معانا، كنت بقول ضغط شغل.
اتنهد وقال
أنا فعلًا مضغوط.
ضحكت.
مضغوط؟
وأشرت ناحية البحر.
إنت من ساعة ما وصلنا وأنت ما قعدتش دقيقة واحدة تقول إنك تعبان.
ما ردش.
وفجأة حماتي قالت
خلاص يا ابني، قول لها.
جوزي بص لها بسرعة.
ماما، كفاية.
قالتها بصوت منخفض
هي لازم تعرف.
حسيت بقلبي وقع.
بصيت لها
أعرف إيه؟
سكتت.
ثم قالت
إنتِ فاكرة إن ابني بيكره السفر والخروج؟
قلت
أيوه.
هزت رأسها.
لا.
سكتت لحظة، ثم قالت
هو كان بيكره إنك تعرفي السبب.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
بصيت لجوزي.
سبب إيه؟
فضل ساكت.
قربت منه وقلت
اتكلم.
قال أخيرًا
أنا من أول جوازنا كنت عايز أبعدك عن حاجة معينة.
سألته
إيه هي؟
قال
عيلتي.
اتصدمت.
بصيت لحماتي.
قالت بسرعة
مش بالطريقة اللي فهمتيها.
لكن أنا ما بقيتش قادرة أستحمل الغموض.
قلت
طب إيه الطريقة؟
جوزي قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.
وقال
أنا كنت عارف إن في حاجات في عيلتي هتوجعك لو عرفتيها.
قلت
وإنت شايف إن الحل إنك تعاقبني أنا وولادك؟
رفع عينه لي.
أنا ما كنتش بعاقبكم.
قلت
أمال كنت بتعمل إيه؟
سكت.
وبعدها قال
كنت بحاول أحميكم.
ضحكت من الصدمة.
تحمينا؟ وإنت بتحرم أولادك من أبسط فرحة؟
هنا تدخلت حماتي وقالت
ابني مش بيكرهكم يا بنتي.
بصيت لها وقلت
طيب ليه بيكره كل حاجة بنطلبها؟
قالت
لأنه كان خايف.
من إيه؟
سكتت.
ثم نظرت إلى بنت خالتها.
نظرة طويلة جدًا.
أنا لاحظتها.
وبصيت ناحية بنت خالته.
كانت واقفة بعيد، وساكتة.
فجأة قلت
هي تعرف؟
حماتي ارتبكت.
بنت خالته قالت بسرعة
أنا ماليش علاقة.
جوزي وقف فجأة.
محدش يدخلها في الموضوع.
بصيت له.
أهو أنت بنفسك دخلتها.
اتوتر.
قلت
من أول ما جينا وأنا شايفة حاجة غريبة. وإنت بنفسك قلت إن في حاجة ماما مخبياها.
حماتي قالت
خلاص، كفاية.
لكن جوزي لأول مرة انفجر
أنا اللي هقول!
سكت الكل.
قال
من سبع سنين… حصلت مشكلة كبيرة في العيلة.
بصيت له.
إيه المشكلة؟
قال
المشكلة كانت بسبب فلوس.
استغربت.
فلوس؟
هز رأسه.
وأنا وقتها كنت لسه في بداية شغلي.
ثم بص لأمه وقال
وماما كانت عارفة.
حماتي بدأت تبكي.
أنا اتوترت أكتر.
قلت
فلوس إيه؟
رد
فلوس اتاخدت من الشركة اللي كنت شغال فيها.
سألته
ومين أخدها؟
سكت.
ثم قال
أنا.
اتجمدت مكاني.
لكن قبل ما أستوعب الكلمة، كمل
بس أنا ما سرقتهاش.
اتسعت عيني.
أمال؟
قال
أنا دفعت تمن غلطة حد تاني.
حماتي غطت وشها بإيدها.
أما بنت خالته ففضلت واقفة مكانها، ووشها شاحب.
وأنا بصيت بينهم كلهم.
وقلت
مين الغلطان؟
جوزي رفع عينه ناحيتي.
وقال
أخويا.
شهقت.
وفي اللحظة دي، ظهر أخوه من بعيد، وكان واضح إنه سمع آخر كلمة.
وقف مكانه.
وجوزي بص له وقال
كفاية سكوت لحد هنا.
أخوه بدأ يتقدم نحونا.
لكن قبل ما يوصل، حماتي صرخت
لا!
الكل اتلفت لها.
وبصوت مرتعش قالت
لو ابني قال الحقيقة كاملة… البيت ده هيتدمر.
سكتنا كلنا.
وأنا لأول مرة حسيت إن الحكاية أكبر بكتير من مجرد جوز بخيل في مشاعره، أو راجل مش بيحب السفر.
كان في شيء مخفي من سنين…
وشيء جعل جوزي يتصرف معنا بطريقة قاسية رغم قدرته على إسعادنا.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها…
إن السر ده كان مرتبط بيا أنا كمان.
وإن السبب الحقيقي اللي خلّاه يحرمني من كل
لمحة نيوز





