جوزي

بخاف منك.
نزل عينه.
ما ردش.
وفجأة سمعنا صوت ضحكة من عماد.
جميل جدًا.
بصينا له.
قال
بس التسجيل ده ناقص.
محمد قال
ناقص إيه؟
عماد رد
الجزء اللي بعده.
حماتي شهقت.
إنت عارف؟
قال
أنا اللي كنت موجود.
سامح قال
إنت كنت موجود وقتها؟
هز رأسه.
أيوه.
قلت
إيه اللي حصل بعد التسجيل؟
عماد بص لي مباشرة.
أبوك وافق يسلمني الورق.
حماتي صرخت
كذاب!
قال
لكن قبل ما يسلّمهولي…
وسكت.
قلت
إيه؟
قال
اتصل بمحمد.
محمد اتوتر.
بصيت له.
اتصل بيك؟
قال
أيوه.
وقال لك إيه؟
محمد سكت.
قلت
قول.
رد
قال لي ما تثقش في حد.
مين؟
قال
ما قالش.
طب إنت عملت إيه؟
قال
روحت له.
قلت
وبعدين؟
محمد بص لأمه.
ثم قال
لقيته وقتها مصاب.
شهقت.
مصاب؟!
هز رأسه.
أيوه.
مين ضربه؟
سكت.
عماد ابتسم.
هقولك.
محمد صرخ
متتكلمش!
لكن عماد كمل
والدك ما ماتش وهو خايف على نفسه.
نظر لي مباشرة.
كان خايف إنك تعرفي مين اللي خانه.
قلت
مين؟
عماد ابتسم.
ثم أشار ناحية أخو محمد.
الكل اتجمد.
أنا بصيت له.
أخو محمد نفسه رجع خطوة للوراء.
قلت
إنت؟
هز رأسه بسرعة.
لا!
لكن عماد قال
هو اللي كان بيوصل لي أخباركم.
محمد اندفع ناحيته
إنت عملت كده؟!
أخوه بدأ يبكي.
والله ما كان قصدي.
محمد أمسكه من قميصه
أبوك كان هيموت بسببك!
صرخت
محمد!
تركه.
أخوه وقع على الكرسي.
وبص لي وقال
أنا كنت مديون.
قلت
فبعت أبويا؟
قال
أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لكده.
سامح هز رأسه
كل واحد كان بيقول ما كنتش أعرف.
بصيت لكل الموجودين.
وبصوت هادئ قلت
أنا عايزة ورقة واحدة.
الكل سكت.
قلت
الورقة اللي تثبت الحقيقة.
حماتي قالت
معايا.
مدت إيدها داخل حقيبتها.
وأخرجت ملفًا صغيرًا.
محمد قرب.
لكنها أعطته لي أنا.
فتحت الملف.
كانت أول ورقة عبارة عن عقد قديم.
وتحت التوقيعات كان اسم أبي.
ثم اسم سامح.
ثم اسم عماد.
وفي آخر الصفحة…
كان فيه توقيع رابع.
توقيع لم أره من قبل.
رفعت عيني وقلت
مين صاحب التوقيع ده؟
حماتي بدأت تبكي.
محمد بص للورقة.
وفجأة اتغير لون وجهه.
قال
مستحيل.
سألته
إيه؟
أشار للتوقيع.
وقال بصوت منخفض
ده توقيع الشخص اللي كنت طول السنين دي بحاول أحميك منه.
سألته
مين؟
وقبل ما يجاوب، رن هاتف حماتي.
نظرت للشاشة.
ثم رفعت عيني نحونا وقالت
هو.
قلت
مين هو؟
قالت
أبوك.
اتجمدت.
أبويا؟
هزت رأسها.
التوقيع ده مش توقيعه…
ثم نظرت لمحمد.
ده توقيع مزور.
وفي اللحظة دي فهمت إن كل الحقيقة اللي عرفناها لحد دلوقتي كانت مبنية على ورقة مزورة…
وإن الشخص اللي زوّر التوقيع كان لسه عايش، ولسه قادر يقلب حياتنا كلها رأسًا على عقب فضلت باصة للورقة، مش قادرة أستوعب.
قلت
يعني كل السنين دي… إحنا بنجري ورا ورقة مزورة؟
حماتي هزت رأسها وهي بتبكي
أيوه.
بصيت لمحمد
وإنت كنت عارف؟
قال
ما كنتش عارف إنها مزورة.
صرخت
بس كنت عارف إن في ورقة!
كنت عارف إن في مستندات، مش عارف الحقيقة الكاملة.
مسكت الورقة بإيدي.
طب مين زوّر توقيع أبويا؟
المكان كله سكت.
عماد كان واقف بعيد، لكن أول ما سمع السؤال، ابتسامته اختفت.
لاحظت ده.
بصيت له
إنت.
قال بسرعة
أنا؟
أيوه، إنت.
ضحك
لو عندك دليل قولي.
قبل ما أرد، أخو محمد قال
مش هو.
الكل بص له.
محمد سأله
إنت عارف مين؟
أخوه نزل عينه.
أيوه.
أنا قربت منه
مين؟
قال
أنا.
اتجمدت.
محمد بص له بصدمة
إنت إيه؟
قال
أنا اللي زورت التوقيع.
حماتي صرخت
يا ابني!
قلت وأنا مش مصدقة
إنت؟
هز رأسه.
بس ما كنتش فاهم حجم اللي بعمله.
محمد قرب منه
كنت بتزور توقيع والدها وبتقول مش فاهم؟
أخوه بكى
كنت مديون.
ولمين؟
سكت.
قلت
قول.
رفع عينه لي.
لعماد.
عماد انفجر
كذاب!
أخوه رد
إنت اللي طلبت مني!
محمد وقف بينهما.
يعني كنت شغال معاه؟
قال
في الأول.
ثم بص لي
لكن بعد كده خفت.
سألته
وخفت إمتى؟
قال
لما عرفت إن أبوكي اكتشف كل حاجة.
وبعدين؟
حاولت أصلح اللي عملته.
قلت
إزاي؟
قال
خبّيت الورقة الأصلية.
سألته
فين؟
سكت.
محمد قال
فين الورقة الأصلية؟
أخوه ما ردش.
عماد تقدم خطوة.
قول.
أخوه بص له بخوف.
ثم قال
مش معايا.
عماد اتوتر.
أمال فين؟
أخوه قال
أنا سلمتها لمحمد.
بصيت لجوزي.
إنت معاك الورقة الأصلية؟
محمد هز رأسه
لا.
إنت استلمتها؟
أيوه.
وبعدين؟
قال
حطيتها في مكان آمن.
سألته
فين؟
سكت.
قلت
محمد، أنا تعبت من الأسرار.
قال
في خزنة.
فين الخزنة؟
في بيتنا القديم.
عماد ضحك
الخزنة دي اتفتحت من زمان.
محمد اتصدم
إيه؟
قال
أنا كنت عارف مكانها.
سكت الجميع.
محمد اندفع ناحيته
إنت دخلت بيتي؟
عماد ابتسم
أكتر من مرة.
حسيت ببرودة في جسمي.
يعني إنت كنت بتدخل بيتنا وإحنا مش عارفين؟
قال
كنت بدور على الورقة.
بصيت لمحمد
وعشان كده كنت خايف علينا؟
هز رأسه.
أيوه.
وعشان كده كنت بتمنعنا من السفر والخروج؟
قال
كنت بخاف حد يتبعنا.
سكت لحظة.
ثم قلت
بس ليه ما قولتليش؟
قال
لأني كنت فاكر إن لو خليتك بعيدة عن الموضوع، هتبقي في أمان.
قلت
إنت غلطت.
هز رأسه.
عارف.
بنتي الكبيرة كانت واقفة تسمع كل شيء.
قربت مني وقالت
ماما، هو بابا كان بيخاف علينا؟
بصيت لها.
ولأول مرة ما عرفت أجاوب إجابة بسيطة.
قلت
بابا كان بيحاول يحميكم، بس أحيانًا الإنسان لما يخاف بيعمل حاجات بتوجع الناس اللي بيحبهم.
محمد سمع كلامي.
وبص لأولاده.
ثم قال
أنا آسف.
ابني الصغير قرب منه.
لكن قبل ما يوصل، سمعنا صوت عربية بتقف قدام الشاليه.
سامح بص من الشباك.
وقال
في حد جاي.
محمد سأل
مين؟
سامح ما ردش.
راح ناحية الشباك وبص مرة تانية.
ثم رجع وهو متوتر.
دي عربية الشخص اللي كنا بندور عليه.
قلت
مين؟
قال
المحامي القديم بتاع والدك.
اتصدمت.
محامي أبويا؟
هز رأسه.
أيوه.
فتحت الباب قبل ما محمد يمنعني.
كان رجل كبير واقف قدام الشاليه، ماسك حقيبة جلد قديمة.
أول ما شافني، وقف مكانه.
وبص لي طويلًا.
ثم قال
إنتِ بنت فلان؟
قلت
أيوه.
تنهد.
كنت مستني اليوم ده من سنين.
محمد وقف جنبي
إنت جاي تعمل إيه؟
الرجل رفع الحقيبة.
وقال
جاي أسلمها لمراته.
أنا بصيت للحقيبة.
إيه اللي جواها؟
قال
آخر حاجة والدك سابها قبل ما يموت.
سألته
إيه هي؟
فتح الحقيبة قليلًا.
وشفت ملفًا أبيض.
وعليه اسمي.
لكن قبل ما يمده لي، بص لمحمد وقال
بس قبل ما أسلمها لها… لازم أقول لها حاجة.
محمد اتوتر.
إيه؟
الرجل قال
والدها ما كانش خايف من عماد.
سكت.
ثم بص لي مباشرة.
كان خايف من شخص تاني.
قلبي دق بسرعة.
مين؟
قال
الشخص ده هو اللي خلّى والدك يطلب من محمد إنه ما يقولكيش الحقيقة.
بصيت لمحمد.
ثم للمحامي.
وقلت
مين الشخص ده؟
المحامي شد على الحقيبة وقال
أم محمد.
اتجمدت حماتي مكانها.
محمد بص لأمه بصدمة.
وأنا حسيت إن كل حاجة اتقلبت مرة واحدة.
حماتي قالت بصوت ضعيف
أنا كنت بحاول أحميكم…
لكن المحامي قاطعها
لأ.
ثم قال
إنتِ كنتِ بتحاولي تحمي سرّك.
وساد صمت ثقيل.
ثم فتح الحقيبة بالكامل…
وأخرج صورة قديمة.
الصورة كانت لأبويا، وحماتي، ورجل ثالث.
لكن الرجل الثالث…
كان جوزي نفسه.
والتاريخ المكتوب خلف الصورة كان قبل جوازنا بسنوات فضلت باصة للصورة، ومش قادرة أصدق اللي شايفاه.
بصيت لمحمد
إنت كنت تعرف أمي قبل جوازنا؟
حماتي شهقت
أمك؟
هزيت رأسي بسرعة
أيوه… الصورة فيها أبويا، ومحمد، وحماتي. إيه اللي كان بيجمعكم قبل ما أتجوزه؟
محمد أخد نفس طويل، وقعد على الكرسي كأنه أخيرًا تعب من حمل السر.
وقال
أبوك كان عارف إن عماد بيزوّر مستندات الشركة، وكان بيحاول يفضحه. وأنا كنت بساعده.
قلت
طب وماما؟
حماتي بدأت تبكي.
أمك كانت شاهدة على جزء من الموضوع.
المحامي تدخل
وكان عندها مستندات تثبت الحقيقة.
قلت
طب ليه كل ده اتخبى عني؟
محمد بص لي وقال
لأن أبوكي قبل ما يموت طلب مني حاجة واحدة.
إيه؟
قال لي لو حصل لي حاجة، ما تدخلش بنتي في الموضوع. اتجوزها لو بتحبها، وعِش معاها حياة طبيعية، لكن ما تخليهاش تدفع تمن أخطاء الكبار.
ضحكت وأنا بعيط
حياة طبيعية؟ إنت عارف إنك خلتني أعيش أسوأ حياة ممكنة؟
نزل رأسه.
عارف.
قلت
إنت كنت خايف عليا لدرجة إنك حرمتني من فرحتي.
قال
كنت غلطان.
سكت لحظة، ثم قال
كنت فاكر إن الفلوس هي الأمان. ففضلت أحوش، وأحسب كل جنيه، وأبعد عن أي حاجة ممكن تعرضنا للخطر. وكل ما كنت أشوفك والولاد عايزين تخرجوا، كنت بخاف من فكرة إننا نكون مكشوفين أو إن حد يوصل لنا.
قلت
بس أنت كنت قادر تقول لي.
هز رأسه
كان لازم أقول.
ثم بص لأولاده
وأنا آسف إني خليتكم تفتكروا إني مش بحبكم.
ابني الصغير قرب منه.
يعني يا بابا… إنت بتحبنا؟
محمد نزل على ركبته ر
أكتر من أي حاجة في الدنيا.
بنتي الكبيرة قربت منهم، رهي كمان.
وأنا وقفت بعيد.
كنت لسه موجوعة.
الحقيقة فهمتني تصرفاته، لكنها ما مسحتش أثر السنين.
المحامي سلمّني الملف.
كان فيه المستند الأصلي، وإثباتات كاملة تدين عماد وتبرئ والدي.
وبالفعل، خلال الأسابيع التالية، بدأت الحقيقة تظهر واحدة وراء الثانية.
عماد اتحاسب على اللي عمله.
وأخو محمد اعترف بغلطته وتحمل مسؤوليته.
أما حماتي، فاعترفت إنها أخفت الحقيقة خوفًا على ابنها.
لكن أكتر حاجة اتغيرت كانت محمد.
رجعنا البيت، وفي أول أسبوع قال لي
جهزي الولاد.
سألته
رايحين فين؟
ابتسم وقال
هنسافر.
بصيت له باستغراب.
إنت؟
ضحك
أيوه أنا.
قال ابني
بجد يا بابا؟
رد
بجد.
وفي أول يوم سفر، كنت مستنية أشوف نفس الوش المكشر.
لكن لأول مرة، وأنا قاعدة جنبه في العربية، سمعته بيقول
تحبوا نقف فين؟
الولاد صرخوا من الفرحة.
وأنا بصيت من الشباك، ودموعي نزلت.
مش عشان السفر.
لكن عشان لأول مرة فهمت إن الإنسان ممكن يحبك فعلًا، ومع ذلك يوجعك جدًا بسبب خوفه وأخطائه.
ولما وصلنا البحر، محمد نزل مع الأولاد.
جري وراهم في المية، وضحك، ورش عليهم مية.
ابني بص لي من بعيد وصرخ
ماما! بابا بقى بيحب البحر!
ضحكت.
وبعدها محمد ناداني
تعالي!
قلت
أنا؟
قال
أيوه إنتِ كمان.
نزلت البحر.
ولأول مرة من سنين، ضحكت من قلبي وأنا شايفة أولادي حوالينا.
بعدها محمد وقف جنبي وقال
أنا عارف إن كلمة آسف مش هترجع السنين اللي فاتت.
بصيت له.
بس هبدأ من النهارده.
قلت
وأنا مش محتاجة منك فلوس ولا سفر كل شهر.
استغرب.
فكملت
أنا كنت محتاجة أحس إننا عيلة، مش عبء عليك.
مسك إيدي وقال
وعد.
ومن يومها، اتغيرت حاجات كتير.
مش بقى بيصرف بلا حساب.
ولا بقينا فجأة عيلة مثالية.
لكن بقى فيه كلام.
بقى لما يخاف يقول.
ولما يضايق يتكلم.
ولما الأولاد يطلبوا حاجة، يسمعهم.
وأنا كمان بطلت أبرر لهم كل تصرف غلط.
وفي آخر مرة سألني ابني
ماما، بابا كان بيكرهنا زمان؟
بصيت له وابتسمت.
وقلت
لا يا حبيبي… بابا كان بيحبنا، بس كان خايف بطريقة غلط.
ثم ضحكت وأنا شايفاهم بيلعبوا قدامي
وأهو اتعلم إن الحب مش إنك تحوش كل حاجة للي بتحبهم… الحب إنك تعيش معاهم اللحظة الحلوة قبل ما تعدي.
ومن يومها، كل ما نفتكر المصيف القديم، ما بقيناش نفتكره بالبحر ولا بالمشكلة.
بقينا نفتكره باليوم اللي فهمنا فيه إن الفرحة اللي بنحرم منها أحيانًا مش بتكون بسبب قلة الحب… لكن بسبب خوف محتاج يتواجه، وكلمة واحدة كان لازم تتقال من زمان أنا محتاجكم، ومش عايز أخسركم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *