بنت اخويا حكايات رشا خالد

في أحد الأيام، جلس أمامي وقال
أنا ظلمتك.
لم أجب.
قال
من أول يوم سلمتك فيه سلمى، كنت معتبرك مسؤولة عن كل حاجة.
لكن الحقيقة إنك كنت أكتر واحدة بتحاول تحميها.
نظرت إليه.
قلت
أنا مش عايزة اعتذار.
عايزة حاجة واحدة.
إيه؟
لما بنتك تقول لك إنها خايفة، اسمعها.
ولما تقول لك إنها عايزة تعمل حاجة، ما تكتفيش بالصراخ.
علمها الصح.
مش بس تمنعها.
هز رأسه.
وعد.
أما سلمى…
فقد تغيرت.
لم تعد تخفي هاتفها.
لم تعد تكذب.
والأهم أنها بدأت تفهم الفرق بين الحرية والتهور.
وفي يوم عيد ميلادها التاسع عشر، جاءتني بهدية صغيرة.
فتحتها.
وجدت إطارًا بداخله صورة لنا.
أنا وهي.
قالت
عشان
أفتكر إنك أنقذتيني.
ضحكت.
أنا بس كنت في المكان الصح.
قالت
لا.
ثم احتضنتني.
إنتِ كنتِ الشخص الصح.
نظرت إليها.
وقلت
خلاص، بس أوعديني بحاجة.
قالت
إيه؟
لو حبيتي حد تاني في حياتك، قوليلي.
ضحكت.
ولو رفضتي؟
قلت
نتخانق.
ضحكت أكثر.
بس من غير هروب من الشباك.
قالت
وعد.
ضحكنا.
ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أن كل ما حدث انتهى فعلًا.
لكن قبل أن نغادر، وصلني إشعار على هاتفي.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة قديمة لأمي الحقيقية وهي تحملني وأنا طفلة.
وتحتها جملة واحدة
في سر أخير لم تعرفيه بعد.
نظرت إلى سلمى.
ثم أغلقت الهاتف.
هذه المرة لم أشعر بالخوف.
ابتسمت.
وقلت في سري
كفاية أسرار.
لكنني كنت أعرف في أعماقي…
أن بعض الأسرار لا تموت.
هي فقط…
تنتظر الشخص المناسب ليكتشفها.
في تلك الليلة، لم أستطع النوم.
كنت كلما أغمضت عيني أرى الصورة القديمة.
أمي الحقيقية تحملني بين ذراعيها.
وتحت الصورة جملة واحدة
في سر أخير لم تعرفيه بعد.
في البداية حاولت إقناع نفسي بأنها مجرد محاولة لإخافتي.
لكن في الثالثة صباحًا، وصلني إشعار جديد.
هذه المرة لم تكن صورة.
كان ملفًا صوتيًا.
فتحت التسجيل.
وسمعت صوت أمي.
صوت امرأة عجوز متعب، لكنه واضح.
قالت
منى… لو سمعتي التسجيل ده، يبقى أنا ما قدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.
توقفت أنفاسي.
أكبر كذبة في حياتك مش إن أمك اللي ربتك مش أمك.
الكذبة الحقيقية… إن أبوك مات.
شهقت.
ثم أكملت
أبوك عايش.
وعارف مكانك من سنين.
توقفت لحظة.
ثم قالت
وهو الشخص الوحيد اللي كان عنده سبب حقيقي يخلي عيلتنا كلها تخاف من الحقيقة.
انتهى التسجيل.
جلست على السرير وأنا أحدق في الهاتف.
أبي؟
الرجل الذي عشت طوال عمري معتقدة أنه مات؟
أخرجت شهادة الوفاة القديمة من الصندوق الذي احتفظت به أمي.
لأول مرة لاحظت شيئًا لم أنتبه له طوال هذه السنوات.
التوقيع الموجود أسفل الشهادة…





