لم وصلت حكايات زيزي

فيها آثار المطر، وشعرها مبلول، وفي إيدها شنطة صغيرة.
أحمد جري ناحيتها
سارة!
لكنها رفعت إيدها تمنعه.
وقالت بهدوء
متقربش.
سكت أحمد.
سارة بصت للمحامي، ثم للملف، وقالت
ماما قالتلي إن الوقت جه أعرف الحقيقة.
المحامي وقف احترامًا.
والحقيقة كلها موجودة هنا.
سارة قربت من الترابيزة.
لكن قبل ما تفتح الملف، بصت لنادية وقالت
بس قبل ما أعرف أنا مين عايزة أعرف حاجة واحدة.
نادية ارتبكت.
سارة سألت
إنتِ ليه كنتِ بتكرهيني من أول يوم شافتيني فيه؟
نادية ما ردتش.
سارة بصت لأحمد.
وإنت ليه باباك كان خايف يقولك الحقيقة؟
أحمد فتح بقه عشان يتكلم.
لكن قبل ما ينطق، المحامي استلم مكالمة.
سمع ثواني قليلة
وفجأة تغيرت ملامحه.
قفل المكالمة وبص لسارة.
مدام سارة في خبر لازم تعرفيه فورًا.
سارة قالت
إيه؟
رد بصوت منخفض
والد زوجك خرج من المستشفى.
سارة تنفست براحة.
لكن المحامي أكمل
وهو دلوقتي متوجه لمكان واحد.
فين؟
بص ناحية أحمد وقال
المحطة اللي سيبتِك فيها حماتك.
وتجمدت سارة.
لأن والد أحمد لم يكن ذاهبًا للاعتذار
كان ذاهبًا ليستلم صندوقًا قديمًا تركه والد سارة هناك من أكثر من عشرين سنة وصل أحمد مع سارة والمحامي إلى المحطة بعد حوالي نصف ساعة.
المطر كان خف، لكن الأرض كانت لسه مبلولة، والمكان شبه فاضي.
أول ما نزلوا من العربية، سارة وقفت مكانها.
بصت ناحية الرصيف اللي كانت واقفة عليه قبل ساعات، وكأنها بتفتكر كل كلمة اتقالت لها.
إحنا مش بنركّب غرب.
الكلمة رجعت ترن في دماغها.
أحمد قرب منها وقال
أنا آسف.
سارة ما بصتش له.
الاعتذار مش هيغير اللي حصل.
فجأة المحامي أشار ناحية آخر المحطة.
كان والد أحمد واقف هناك، ماسك عصا، وجنبه موظف من إدارة المحطة.
أول ما شاف سارة، وقف ثابت.
وعينيه امتلأت بالدموع.
قال
أنتِ شبه أبوكي.
سارة قربت منه بحذر.
إنت كنت تعرف بابا؟
هز رأسه.
أكتر مما تتخيلي.
أحمد قال
بابا، إيه حكاية الصندوق؟
والده ما ردش.
أشار لموظف المحطة.
الموظف جاب صندوق خشب قديم، عليه قفل معدني صدئ.
وقال
الصندوق ده موجود هنا من سنة 2004.
سارة اتصدمت.
من سنة 2004؟
الموظف هز رأسه.
والتعليمات كانت واضحة ما يتسلّمش غير لسارة محمود بنفسها.
سارة مدت إيدها.
أول ما لمست الصندوق، لاحظت علامة محفورة على الغطاء.
كانت نفس العلامة الموجودة في خاتم والدها القديم.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
قالت
افتحوه.
المحامي أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
أحمد بص له باستغراب
إنت معاك المفتاح؟
المحامي قال
والدك سلّمهولي قبل ما يدخل المستشفى.
فتح القفل.
صدر صوت خفيف.
رفع سارة الغطاء.
جوه الصندوق كان فيه ثلاث حاجات
صورة قديمة.
دفتر بني.
ومظروف أبيض مكتوب عليه بخط اليد
لسارة يوم تعرف إنها صاحبة القرار.
سارة لمست المظروف، لكن إيدها ارتعشت.
فتحت الرسالة.
وكان أول سطر فيها
لو بتقري الكلام ده، يبقى الوقت اللي كنت خايف منه وصل.
سارة بدأت تقرأ بصمت.
لكن بعد ثواني، رفعت عينيها.
بصت لأحمد.
ثم لوالده.
وقالت
أبويا كان عارف إن عيلتكم هتعمل كده.
أحمد اتصدم.
كان عارف إيه؟
سارة رجعت تقرأ.
وجهها بدأ يتغير مع كل سطر.
وفي آخر الصفحة، كان مكتوب
أنا ما سلمتش القصر لسارة علشان الفلوس أنا سلمتهولها علشان أحميها من الأشخاص اللي حاولوا ياخدوه مني زمان.
سارة توقفت.
وقلبت الصفحة.
لكن الصفحة التالية كانت ممزقة.
المحامي قرب منها.
فيه حد شال الجزء ده عمدًا.
سارة رفعت عينيها.
مين؟
والد أحمد أخيرًا اتكلم
أنا.
الجميع اتجمد.
أحمد صرخ
إنت عملت كده؟!
والده غمض عينيه وقال
أنا مزقت الصفحة من عشرين سنة لأن اللي كان مكتوب فيها كان ممكن يدمر عيلتين.
سارة قربت منه.
إيه اللي كان مكتوب؟
الرجل بص لها طويلًا.
ثم قال
كان مكتوب اسم الشخص اللي حاول يستولي على القصر.
سارة سألت
مين؟
سكت.
ثم رفع عينه ناحية أحمد.
وقال
حد من عيلتك كان يعرف الحقيقة من البداية.
أحمد رجع خطوة.
مين؟
لكن والده لم يجب.
وفي نفس اللحظة، وصل إشعار على هاتف سارة.
رسالة من والدتها منى.
فتحتها.
وكان فيها سطر واحد فقط
سارة، ما تثقيش في أي حد من عيلة عبدالسلام حتى لو قال لك إنه كان بيحميكي سارة فضلت باصة للرسالة كأنها بتحاول تفهم كل كلمة.
رفعت عينيها ناحية والد أحمد.
ماما قالتلي ما أثقش في حد من عيلتكم حتى لو قال إنه كان بيحميني.
الرجل طأطأ رأسه.
أمك عندها حق.
أحمد اتصدم.
بابا إنت مخبي إيه؟
والده ما ردش.
المحامي قال بهدوء
أعتقد إن الوقت جه إن كل حاجة تتقال.
والد أحمد رفع عينه وقال
من عشرين سنة، أبو سارة اشترى الأرض دي.
سارة قاطعته
ده أنا عرفته.
لكن اللي ما تعرفيهوش إن الأرض كانت عليها ديون كبيرة.
أحمد قال
يعني إيه؟
يعني كان ممكن تضيع من إيده في أي لحظة.
سارة سألت
ومين كان عايز ياخدها؟
والده سكت.
المحامي فتح الدفتر البني.
فيه أسماء.
قلب أول صفحة.
ثم الثانية.
وفجأة توقف.
قال
الاسم موجود هنا.
سارة قربت منه.
لكن قبل ما تشوف الصفحة، والد أحمد مد إيده وقفل الدفتر.
مش هنا.
أحمد انفجر
إنت لسه هتخبي؟!
والده رد بصوت ضعيف
لو قريتي الاسم دلوقتي، هتفتكري إن كل اللي حصل النهارده كان صدفة.
سارة قالت
يعني إيه؟
يعني إن اختيار أحمد ليكي ماكانش عشوائي.
أحمد تجمد.
إيه؟!
والده بص له.
أنا ما كنتش أعرف إنك هتحبها لكن كنت عارف إن وجودك في حياتها هيقربنا من القصر تاني.
أحمد رجع للخلف.
إنت بتقول إيه؟
سارة بصت له للمرة الأولى بنظرة شك.
أحمد إنت كنت تعرف حاجة عن القصر قبل ما تتجوزني؟
أحمد هز رأسه بسرعة.
والله ما كنت أعرف أي حاجة.
والده قال
هو فعلًا ما كانش يعرف.
سارة اتنهدت.
لكن المحامي فجأة قال
وده مش أهم شيء.
فتح هاتفه وعرض عليهم صورة لمستند.
لقيت تحويلات مالية قديمة مرتبطة بملف القصر.
سارة بصت للأرقام.
دي فلوس إيه؟
المحامي قال
مدفوعات اتدفعت على مدار سنوات علشان تحافظ على ملكية الأرض.
أحمد سأل
ومين كان بيدفع؟
المحامي رفع عينه.
شخص واحد.
سارة قربت من الشاشة.
ظهر اسم واضح.
منى محمود.
سارة شهقت.
ماما؟
المحامي هز رأسه.
أمك كانت بتدفع كل سنة مبالغ ضخمة للحفاظ على القصر من غير ما تعرفي.
سارة بدأت تفهم إن الموضوع أكبر من مجرد صفقة.
بس ليه؟
المحامي رد
لأن والدك قبل وفاته طلب منها تحافظ على المكان لحد ما تتجوزي.
أحمد قال
يعني القصر كان مستنيها؟
مش بس القصر.
المحامي أشار للدفتر.
كل حاجة كانت مستنياها.
في اللحظة دي، وصل إشعار جديد على هاتف سارة.
كانت صورة من كاميرا مراقبة.
الصورة كانت من نفس محطة الأتوبيس.
ظهر فيها والد أحمد وهو واقف مع رجل غريب قبل وصول سارة بساعات.
سارة قربت الشاشة من عينيها.
مين الراجل ده؟
والد أحمد شحب وجهه.
ده
وسكت.
أحمد سأله
تعرفه؟
الرجل رد بصوت مرتعش
أيوه.
سارة قالت
مين؟
والد أحمد رفع عينيه إليها.
ده الشخص اللي كان بيدور على القصر من عشرين سنة.
سارة سألته
وإيه اللي جابه هنا النهارده؟
لم يجب.
لأن في نفس اللحظة، وصل إشعار آخر.
الرجل نفسه كان قد دخل قصر النخيل قبلهم بسبع دقائق.
والأخطر
إن كاميرا القصر سجلته وهو خارج من غرفة مكتب والد أحمد، وفي إيده المستند الأصلي اللي كان ناقص من الملف سارة أول ما شافت الموقع، وشها اتغير.
ماما راحت هناك لوحدها؟
المحامي هز رأسه.
أيوه.
أحمد قال بسرعة
يبقى لازم نلحقها.
سارة مسكت الدفتر.
نروح.
والد أحمد حاول يقوم.
استنوا.
سارة بصت له.
إنت مش هتيجي.
الرجل وقف مكانه.
سارة، اسمعيني المكان ده مش آمن.
ردت بهدوء
بعد اللي حصل النهارده، أنا مش هفضل أهرب من الحقيقة.
خرجت سارة مع أحمد والمحامي، وركبوا العربية.
طوال الطريق، سارة كانت ماسكة الدفتر في حضنها.
أحمد كان سايق، وكل شوية يبص لها.
أخيرًا قال
سارة أنا عارف إنك فقدتي الثقة فيا.
ما ردتش.
بس أنا فعلًا ما كنتش أعرف حاجة.
سارة بصت من الشباك.
أنا مش عارفة أصدق مين.
قال
صدقي اللي هعمله من دلوقتي.
بصت له لحظة.
هنشوف.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وصلوا لمحطة القطار القديمة.
المكان كان مهجور تقريبًا.
مبنى حجري قديم، شبابيكه مكسورة، والرصيف فاضي تمامًا.
لكن عربية منى كانت واقفة عند المدخل.
سارة نزلت بسرعة.
ماما!
مفيش رد.
دخلوا المبنى.
ماما؟
الصوت ارتد في المكان.
فجأة سمعوا صوت باب بيتقفل في آخر الممر.
أحمد جري ناحية الصوت.
فتح الباب
لكن الغرفة كانت فاضية.
على الأرض كان فيه ظرف.
سارة التقطته.
كان مكتوب عليه
لسارة فقط.
فتحت الظرف بسرعة.
جواه مفتاح صغير وورقة.
قرأت
لو وصلتي هنا، يبقى الشخص اللي كنت بخاف منه عرف إنك اكتشفتي الحقيقة.
سارة وقفت عن القراءة.
أحمد سأل
كملي.
تابعت
المفتاح ده مش بيفتح باب المفتاح ده بيفتح صندوق.
المحامي قال
صندوق إيه؟
قلبت الورقة.
في الخلف كان فيه رقم
17
سارة قالت
رقم خزنة.
المحامي فهم فورًا.
محطة القطار دي كان فيها خزائن أمان قديمة.
بدأوا يدوروا على الخزانة رقم 17.
وبعد دقائق، وجدوها.
المفتاح دخل بسهولة.
سارة فتحته.
لكن الخزنة كانت شبه فاضية.
كان جواها ملف واحد فقط.
على غلافه اسم والدها.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت نسخة من عقد قديم.
ثاني ورقة كانت صورة لسند الملكية.
وثالث ورقة
كانت صورة عائلية.
سارة مسكت الصورة.
فيها والدها، ووالدتها، ووالد أحمد
لكن كان فيه شخص رابع واقف جنبهم.
سارة قربت الصورة من عينيها.
مين ده؟
أحمد بص للصورة.
وفجأة وشه شحب.
أنا شفته قبل كده.
المحامي سأله
فين؟
أحمد أشار للرجل في الصورة.
ده نفس الراجل اللي كان في تسجيل كاميرا القصر.
سارة قلبت الصورة.
وكان مكتوب خلفها
اليوم الذي اتفقنا فيه على حماية سارة.
لكن تحت الجملة مباشرة
كان فيه تاريخ.
وتحته اسم واحد فقط.
نادية عبدالسلام.
سارة تجمدت.
حماتي؟
أحمد ما قدرش يرد.
وفي نفس اللحظة، سمعوا صوت خطوات جاية من الممر.
خطوة
ثم خطوة
ثم توقف الصوت أمام باب الغرفة.
أحمد وقف قدام سارة.
الباب بدأ يتفتح ببطء.
ودخلت امرأة.
سارة شهقت
ماما!
منى كانت واقفة قدامهم، لكن ملامحها كانت مختلفة تمامًا.
قالت وهي بتبص للملف
أخيرًا لقيتوه.
سارة قربت منها.
ماما، إنتِ كنتِ عارفة إن حماتي لها علاقة بكل ده؟
منى سكتت.
ثم قالت
أنا كنت عارفة إن نادية أخفت عنكم حاجة.
إيه؟
منى بصت للمفتاح في إيد بنتها.
لكن اللي في الملف ده أخطر من أي حاجة كنت متوقعة.
سارة فتحت آخر صفحة.
وكان فيها مستند واحد فقط.
توقيع والدها
وتوقيع نادية.
وبين التوقيعين جملة قصيرة جعلت سارة تنظر إلى أمها بصدمة
اتفاق حماية سارة قبل زواجها بأربع سنوات سارة فضلت ساكتة وهي بتبص للصورة.
قالت بصوت منخفض
يعني الراجل ده دخل القصر وخد المستند الأصلي؟
المحامي هز رأسه.
واضح كده.
أحمد بص لوالده بغضب
إنت كنت تعرف إنه هييجي؟
والده رد بسرعة
لا.
طب قابلته ليه قبل كده؟
سكت.
سارة لاحظت التردد وقالت
بابا أحمد أنا محتاجة الحقيقة كاملة.
الرجل تنهد وقال
من عشرين سنة، الراجل ده كان شريك والدك.
سارة اتصدمت.
شريك بابا؟
أيوه.
وشريك في إيه؟
فتح الرجل الدفتر البني، وقلب لصفحة قديمة.
في مشروع كان المفروض يتبني على أرض القصر.
المحامي أخذ الدفتر منه.
لكن المشروع فشل، والشراكة انتهت.
سارة قالت
طيب ليه لسه بيدور على القصر؟
والد أحمد بص لها.
لأن في عقد قديم بيقول إن ليه حق في جزء من الأرض لو قدر يثبت إن والدك أخلّ باتفاق الشراكة.
أحمد قال
وده ممكن يحصل؟
المحامي رد
لو المستند الأصلي اختفى، ممكن يحاول يستخدم نسخ مزورة أو ناقصة.
سارة بصت للملف.
يعني هو سرق الورقة علشان يغيّر الحقيقة؟
بالضبط.
وفجأة رن هاتف المحامي.
رد، وفضل ساكت يسمع.
بعد ثواني قال
متأكد؟
سكت مرة تانية.
ثم قال
ابعت الصورة فورًا.
قفل المكالمة وفتح رسالة وصلت له.
صورة جديدة ظهرت على الشاشة.
كانت صورة لمكتب والد أحمد داخل القصر.
لكن على المكتب كان فيه شيء لم يراه أحد من قبل.
ظرف صغير مكتوب عليه اسم سارة.
المحامي قال
ده كان مستخبي جوه درج سري.
سارة قربت منه.
إزاي ما حدش شافه؟
لأن الدرج كان مقفول من الداخل.
أحمد سأل
ومين فتحه؟
المحامي رد
الراجل اللي دخل القصر.
سارة قالت
يعني هو أخد المستند لكنه ترك الظرف؟
المحامي هز رأسه.
وده اللي مش مفهوم.
سارة مدّت إيدها ناحية الظرف في الصورة.
لا هو ما سابوش.
الجميع بص لها.
قالت
هو كان عايزنا نلاقيه.
فتحت الصورة مرة تانية، وكبّرت الجزء الخاص بالظرف.
وكان مكتوب تحته بخط صغير
لو وصلتِ لحد هنا، يبقى هم بدأوا يدوروا على اللي خبّاه أبوكي.
سارة اتجمدت.
إيه اللي خبّاه بابا؟
المحامي قال
ده السؤال.
وفجأة وصل اتصال على هاتف أحمد.
رقم غير محفوظ.
رد بحذر
ألو؟
جاء صوت رجل غريب
لو عايزوا تعرفوا الحقيقة، متفتحوش الظرف في القصر.
أحمد قال
مين إنت؟
الرجل تجاهل السؤال.
خدوا الظرف





