تظاهري انك زوجتي
أطرق القاضي رأسه، وتابعت سارة: «وإن أردتم معرفة إن كان هذا بيتاً حقيقياً، فانظروا للزاد والماشية والضمادات التي داويت بها جراحه حين أوشك على الموت في العاصفة».
نظر جاسم إليها بذهول. وبعد أن تجول القاضي وسأل عن التفاصيل ورأى التناغم بينهما، أغلق الملف وقال: «الشرط متحقق، والأرض تثبت رسمياً باسم جاسم شاهين».
احتج ممثل الشركة، وغضب مروان، لكن القاضي سلّم جاسم رسالة مغلقة كان والده قد تركها لتسلم له إن تحقق الشرط.
انصرف الجميع، وعاد الهدوء للجبل.
رفع جاسم بلاطة قرب الموقد وأخرج صندوقاً فيه عشرون ألف درهم، ومدها إلى سارة: «هذا المتبقي من أجرِك».
شعرت سارة بالبرودة تسري في جسدها: «بالتأكيد».
أخذت المال واتجهت لتجمع ثيابها: «سأغادر غداً إلى القرية».
وقف جاسم مذهولاً: «لماذا تغادرين؟»
— «لأنك دفعت لي أجمعي، وأخذت أرضك».
— «لكنني أريدكِ أنتِ أيضاً!»
— «أنت لم تطلب مني البقاء قط! تنتظر مني أن أفهم من نظراتك بينما تتصرف وكأن المشاعر عار!»
تنفس جاسم بصعوبة، ثم عبر الغرفة وجثا على ركبتيه أمامها.
شخصت أبصار سارة؛ فالرجل الذي لا يهاب العواصف يجد صعوبة في رفع رأسه إليها.
— «ابقي… ليس لأجل الأرض، ولا لأجل الاسم. ابقي لأني عندما أخرج للغابة أريد أن أعود وأجدكِ هنا. لأني عرفت كيف يبدو البيت حين تضحكين، ولا أريد العودة إلى الصمت. لأني أخشى رحيلكِ أكثر من خوفي من الموت».
دمعت عينا سارة، فنظر إليها وقال: «لا أعدكِ بحياة سهلة، فالشتاء قاسٍ، وسأظل رجلاً عنيداً… لكنني أعدكِ أنني لن أستخدم المال لأمركِ، ولن أرسم خطاً يبعدكِ عني أبداً».
جثت سارة أمامه ومسحت دموعها: «وانا أيضاً لا أعرف كيف أكون زوجة كما يتوقع الناس».
— «أنا لا أريد زوجة كما يتوقع الناس… أريدكِ أنتِ».
— «إذاً احتفظ بالمال… فهو لنا».
ابتسم جاسم وغمرته الراحة.
بعد أشهر، أصلحت سارة بالمال ما يحتاجه البيت والماشية، وقضت ديون زوجها القديم لتقفل ذلك الباب للأبد. وفي أواخر الصيف، عاد مروان وحده، وحامل رسالة والدهما بعد أن قرأها، ولم يعد ينازع على الأرض، بل جلس لأول مرة ليشرب القهوة مع أخيه.
وعندما حل الشتاء التالي، كان جاسم وسارة يجلسان قرب الموقد. ألقى جاسم بقطعة الفحم القديمة في النار، واحتضن زوجته، بعد أن اختفت الخطوط الفاصلة بينهما إلى الأبد.


