قصة جديدة ج٢
الرابع
الصمت مكنش استسلام، الصمت كان الاستعداد للضربة القاضية. لما تقرر تسيب مكان هانك، متخرجش منه مكسور.. اخرج وأنت سايب وراك نار بتاكل في الأخضر واليابس، وخليهم يدوقوا من نفس الكاس اللي شربوك منه.”
مر شهر كامل على تلك الأحداث، وبيت العيلة يغلي على صفيح ساخن، بينما كانت ندى تعيش في معزل تام داخل شقتها، ترسم ملامح نهايتهم ببرود يحسدها عليه الجميع. لم تعد تصرخ، ولم تعد تبكي، بل تحولت إلى شبح صامت يراقب الغابة التي تعيش فيها. وخلال هذا الشهر، كانت ندى قد اشترت جهاز تسجيل صغيراً ذكياً، لا يفارق جيب سترتها أبداً، مسخرة إياه لتوثيق كل شاردة وواردة في هذا البيت.
كانت السيدة إجلال تضيق ذرعاً بصمت ندى وبقائها في شقتها، فلم تكن تحتمل أن ترى ضحيتها تفلت من بين يديها.
في أحد الأيام، صعدت السيدة إجلال برفقة عبير إلى شقة ندى، ودفعتا الباب بقوة ودخلتا دون استئذان.
وقفت السيدة إجلال في منتصف الصالة وتطاير الشرار من عينيها، وصاحت بأعلى صوتها مفرغة كل شحنات الغل والحقد:”جرى إيه يا خطافة الرجالة يا أرض بور يا معفنة؟ فاكرة نفسك بقيتي هانم ومش هتنزلي تخدمي؟ ورب العزة لو ما نزلتش وبقيتي زي الجزمة تحت رجلي ورجل بنت أختي، لأخلي كريم يرميكِ في الشارع زي الكلبة الجربانة! أنتِ هنا مجرد خدامة، وملكيش أي لزمة في البيت ده، ويلا غوري انزلي جهزي الطفح للناس تحت!”
شاركت عبير في الوصلة بابتسامة شماتة وقالت بنبرة مستفزة:”أيوة يا حبيبتي، ريحي نفسك وبلاش شغل التناكة ده، كريم خلاص بقى بتاعي أنا، وأنتِ بقيتي كرت محروق ملوش أي تمن.. اطلعي بكرامتك بدل ما نطلعك إحنا بفضيحة.”
كانت ندى تقف مستمعة إليهما وهدوء غريب يلف ملامحها، ولم تتحرك منها شعرة واحدة، بل كانت يدها داخل جيبها تضغط بتمهل على زر التسجيل، لتلتقط كل كلمة شتيمة، وإهانة، وتهديد بال طرد، وكل لفظ نابٍ خرج من فم حماتها وضرتها.
نظرت إليهما ببرود مريع وقالت :”خلصتوا كلامكم؟ طيب اتفضلوا انزلوا تحت عشان مش فاضيالكم.”
استمرت ندى على هذا المنوال طوال الشهر، تجمع الأدلة، وتسجل التهديدات اليومية التي كانت تتلقاها من الحماة، وبعض العبارات المهينة من كريم عندما كان يثور عليها في لحظات غضبه لعدم استجابتها له. كانت تسجل بدقة متناهية، ولم يكن أحد في البيت يشعر بتلك الشباك الخفية التي تنسجها حول رقابهم.

