قصة جديدة ج٢
نظرت إليه ندى بتمعن، وفجأة تسارعت دقات قلبها؛ لم يكن هذا الرجل الغريب سوى “كريم”!وقفت ندى على بُعد خطوات منه وتأملت حالته السيئة.
أين ذلك الرجل الذي كان يتفاخر بملابسه وسيطرته الكاذبة؟ لقد بدا وكأن الحياة قد طحنته في رحاها بلا رحمة. التفت كريم فجأة، والتقت عيناه بعيني ندى. اتسعت عيناه بذهول، ووقف بصعوبة وهو لا يكاد يصدق ما يرى، ونظر إلى أناقتها وجمالها الطاغي، ثم نظر إلى نفسه بكسرة وخزي، وتراجع خطوة إلى الخلف من فرط الحرج.
قالت ندى بصوت هادئ ورزين، خالٍ من أي تشفٍ أو غضب:”أهلاً يا كريم.. إزيك؟ عامل إيه في الدنيا؟”
ابتلع كريم ريقه بصعوبة، ونزلت دموعة رغماً عنه، وقال بنبرة متهدجة مرتعشة:”ندى؟! مش قادر أصدق عيني.. أنتِ بقيتي فين وأنا بقيت فين! الدنيا بهدلتني أوي يا ندى.. بهدلتني ووريتني النجوم في عز الظهر.”
نظرت إليه ندى بأسى وسألت عن حال بيته قائلة:”والدنيا عملت فيكم إيه؟ طنط إجلال وعبير عاملوا إيه؟”
تنهد كريم تنهيدة حارقة تخرج من جوف ممزق، وقال بالعامية وهو يمسح دموعه بكم قميصه المهلهل:”البيت اتهد يا ندى من يوم ما مشيتي.. عبير طلعت عيني وعين أمي، ومقعدتش سنة وطلبت الطلاق وأخدت كل حيلتي وممتلكاتي بقضايا ونفقة ومؤخر، وسابتني على الحديدة.. وأمي.. أمي جالها المرض الوحش، وتعبت تعب شديد وفضلت تتعذب بالشهور قبل ما تموت، وأنا صرفت اللي ورايا واللي قدامي على علاجها، ومبقاش معايا حتى تمن اللقمة.. ذنبك خالص مني ومنها في الدنيا يا ندى.”
استمعت ندى إلى كلماته، وشعرت برعشة في جسدها؛ لقد دارت الدائرة حقاً، وذاق هذا البيت من نفس الكأس التي سقوها منها.
لم تشعر بالشماتة، بل غمرتها راحة عميقة لأن عدالة السماء تجلت أمام عينيها.
جثا كريم على ركبتيه تقريباً أمامها، ونظر إليها بعينين مستسمحتين باكيتين وقال بصوت مخنوق:”أنا عارف إني ظلمتك، وإني كنت جبان ومستاهلكيش.. أمي ماتت وهي ندمانة، وأنا عايش في الدنيا دي ميت.. بالله عليكِ يا ندى سامحيني.. اغفري لي عشان أقدر أعيش الكام يوم اللي باقين لي.. سامحيني يا بنت الأصول.”
نظرت ندى إلى السماء واستنشقت الهواء بعمق، وشعرت أن القيود الأخيرة التي كانت تربطها بهذا الماضي قد تفتتت تماماً.
نظرت إلى كريم الشاخص أمامها بنظرة شفقة وتسامح حقيقي، وقالت بنبرة نقية دافئة:”أنا مسمحاك يا كريم.. مسمحاك ومسمحة والدتك الله يرحمها.. أنا حياتي اتغيرت، وربنا عوضني بأحسن مما كنت أتمنى، ومبقاش في قلبي مكان لأي زعل أو غل من ناحيتكم.. ربنا يسامحك ويصلح حالك ويقويك على دنيتك.”أ



