حكاية خطيبتي بقلم انجي الخطيب

هسمح لحد إنه يقلل من وجعي ولا من ذكرى أغلى إنسانة في حياتي عشان شوية مصالح وشقة وأصول وهمية.
خطيبتي شهقت بخضة إنت بتعمل إيه؟ إنت بجد بتسيبني عشان موت مامتك؟ إنت أكيد مجنون!
ضحكت ضحكة هادية، ضحكة إنسان شاف الحقيقة أخيراً، قولت لا، أنا مش مجنون.. أنا بس فوقت، وفهمت إنك مكنتيش شريكة عمر، إنتي كنتي مجرد تكملة صورة.. صوري مع السلامة.
فتحت الباب وخرجت من غير ما أسمع ردهم، نزلت السلم وأنا حاسس إن في حمل تقيل جداً اتشال من على كتافي، خرجت للشارع، هوا بالليل خبط في وشي، ولأول مرة من أسبوع، حسيت إني بتنفس بشكل طبيعي.. بصيت للسما وكلمت أمي في سري وقلت حقك عليا يا ست الكل، أنا اخترت اللي يرضيكي ويرضي كرامتي اللي كانت هتهون عليهم بكلمة.
مشيت في الشارع، والشارع كان فاضي، بس جوايا كان فيه زحمة مشاعر.. شعور بالفقد، بس معاه شعور بالراحة، قفلت صفحة، وعرفت إني لوحدي دلوقتي أهون بكتير من إني أكون مع حد.. مش حاسس بيا.
……
موبايلى رن في جيبي، مكنتش محتاج أبص على الشاشة عشان أعرف مين، هي طبعاً.. رنة ورا التانية، تجاهلتهم كلهم وكملت مشي، الشارع كان هادي، وصوت خطواتي على الرصيف كان هو اللي بيملى الفراغ، كنت حاسس إن كل خطوة ببعدها عن بيتهم،
ببعد فيها عن كابوس كان مفروض يبقى بيت العمر.
وصلت عند أول ناصية، وقفت للحظة، طلعت الموبايل، لقيت رسايل كتير ورا بعض، فتحت ال WhatsApp، قريت أول رسالة بعتتها إنت بجد بتعمل فيا كدا؟ بتكسرني قدام بابا عشان شوية حزن؟ دا أنا كنت فاكراك أعقل من كدا!، بعدها رسالة تانية لو مشيت دلوقتي، مفيش رجوع، خليك فاكر إنك إنت اللي اخترت تنهي كل حاجة.
ابتسمت بسخرية، وكتبت رد واحد بس أنا مكسرتكيش قدام حد، أنا بس حطيت نقط على حروف كنت عامل نفسي مش شايفها.. ومتقلقيش، أنا عمري ما هرجع في قرار خدته وأنا مرتاح كدا.، وعملت Block من غير ما أستنى ردها.
قفلت الموبايل خالص، رميته في جيبي، وكملت طريقي، فجأة وقفت قدام محل ورد، نور المحل كان لسه والِع، بصيت للحاجات اللي جواه، حسيت بحنين غريب، افتكرت أمي الله يرحمها لما كانت بتفرح بأقل حاجة، وبأقل كلمة حلوة.. دخلت اشتريت بوكيه ورد أبيض، وركبت تاكسي وطلبت منه يوصلني على المقابر.
السواق بيبصلي في المراية باستغراب مش متأخر يا أستاذ؟ الوقت دخل في تسعة.
بصيت من الشباك بهدوء وقولتله لا مش متأخر.. أنا رايح أزور أغلى حد في حياتي، والزيارة دي متأخرة كتير.
وصلت المقابر، كان الحارس لسه صاحي، فتحلي الباب، مشيت في الممرات
الضيقة، كل خطوة كانت بتخليني أفتكر وشها، صوتها، ودعواتها ليا.. وصلت قدام المكان، قعدت على الأرض، حطيت الورد، لمست الرخام اللي مكتوب عليه اسمها، لأول مرة من أسبوع عيوني دمعت، بس مكنش دمع وجع، كان دمع راحة..
قعدت أتكلم معاها، حكيتلها كل اللي حصل، حكيتلها عن الحي أبقى من الميت، وحكيتلها عن إزاي الوجع خلاني أشوف الناس على حقيقتهم.. حسيت ببرودة الهوا بتمسح وشي، كأنها بتطبطب عليا، فضلت قاعد فترة طويلة، لغاية ما حسيت إن روحي بدأت تهدا.
قمت وأنا بنفض هدومي، بصيت للسما، وقولت بصوت واطي أنا بدأت حياتي الجديدة النهاردة يا أمي.. هبدأها بيكي، وهكملها بيكي، ومن غير أي حد مش مقدر قيمتك ولا قيمتي.
مشيت وأنا حاسس إن السكة اللي قدامي مهما كانت صعبة، فهي طريقي أنا، وبس.. لا أنا محتاج شقة تتفرض عليا، ولا ناس تحكم عليا، أنا محتاج بس أكمل اللي بدأته، وأعيش راضي عن نفسي.. حتى لو همشي لوحدي.
……..
مرت الأيام وبدأت الحياة ترجع لمجراها، بس بمقاييس تانية خالص. اكتشفت إن الناس اللي كانوا في حياتي لمجرد المصلحة أو المنظر الاجتماعي بدأوا يتساقطوا واحد ورا التاني زي ورق الشجر في الخريف، ولأول مرة محستش بالخوف من الوحدة، بالعكس، كنت مستمتع بهدوء
البيت اللي كان زمان بيخنقني، وبقيت بلاحظ تفاصيل مكنتش بشوفها؛ صوت العصافير الصبح، هدوء الشارع قبل ما زحمة اليوم تبدأ، ونظرات الرضا اللي بشوفها في المراية لما ببص لنفسي.
في يوم، وأنا راجع من شغلي، عدّيت على سوق قديم كنت أنا وأمي بنتمشى فيه سوا.. شفت ست عجوزة بتبيع ورد بلدي في مفارش صغيرة، ريحة الورد رجعتني لسنين ورا.. فجأة حسيت بإيد بتلمس كتفي، لفيت لقيت صاحبي كريم، اللي كان أكتر واحد بينصحني أتمسك بخطيبتي عشان الاستقرار.
بصلي بنظرة غريبة، وقالي عارف؟ كنت فاكرك بتهور لما سيبتها.. بس بقالي فترة بتابعك من بعيد، وشايف النور اللي في عينك.. كنت غلطان يا صاحبي، أنت عملت اللي أغلبنا بيخاف يعمله، أنت اخترت كرامتك ونفسك في وقت الكل بيبيع فيه نفسه عشان أي جوازة وأي شقة.
ابتسمتله، وحسيت بصدق كلامه، وقعدنا على قهوة قديمة، قعدنا نحكي مش عن الجواز ولا المصاريف، حكينا عن الدنيا، عن الغربة اللي بنعيشها وإحنا وسط الناس، وعن إزاي إن الوجع الكبير أحياناً بيكون هو النقطة اللي بنحتاجها عشان نبدأ جملة جديدة في حياتنا.
رجعت البيت، لقيت في صندوق البريد جواب قديم، كان مركون ورا باب الشقة، فتحته لقيت فيه أجندة كانت أمي بتكتب فيها ذكرياتها، فتحتها

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *