بيت العيله 1

حتى في المناسبات، كانت تشتري من مصروفها البسيط هدايا للكل. وبدل ما تقولها كلمة شكر، كنا نستنى لما تنزل وننفجر في الضحك والتريقة على بساطة ذوقها. كانت تنزل شقتها بخطوات تقيلة، وإحنا نفضل قاعدين على السلم نضحك بأعلى صوت. وكم مرة أرفع رأسي وأشوفها بتبص علينا من شباك شقتها، ووشها مبلول بالدموع، وأول ما عينها تيجي في عيني، تقفل الشباك بسرعة عشان تداري كسرتها.

بس السلاح اللي كان بيدبحها بالبطيء هو ابن ضرتها. كنا نتعمد ننادي على ضرتها بطفلها في صالة حماتي كل ما شيماء تكون موجودة. نبدأ نتكلم عن العيال والخلفة، ونتفنن في ملاعبة الصغير ونحكي عن جماله وحظ أمه، ونوجه الكلام بطريقة غير مباشرة لشيماء عشان نلمس الجرح. كانت تبلع غصتها، ووشها يتغير، وبعدين تقوم بهدوء وتنسحب على السلم.

الأحداث ولعت يوم العقيقة الكبير. البيت كله كان مقلوب، وشيماء شغال زي شعلة النشاط من وش الفجر؛ تنظف السلم، وتعمل الشاي، وتخدم الضيوف طول النهار من غير ما تشتكي ولا تفتح بقها. ولما جه وقت الغدا، قعدت ضرتها في صدر الصالة شايلا ابنها، فقامت حماتي ومسكت ظرف فيه فلوس وذهب، وأهدته للضرة قدام الناس كلها وهي بتقول بصوت عالٍ: “دي اللي بيضت وشنا وجابت لنا السند والولد!”.

في اللحظة دي، نزلت دمعة حامية من عين شيماء، واتهزت إيدها وسقطت منها صينية الكاسات اتكسرت مليون حتة على الأرض. وبدال ما حد يحس بيها، صرخت فيها أخت جوزي: “حتى في فرحتنا منكودة ومش فال خير!”. ما دافعتش شيماء عن نفسها، نزلت على ركبها ولمت الزجاج المكسور وإيدها بترتعش، وطلعت شقتها.

في الليل، بعد ما الضيوف مشيوا، حماتي طلبت من جوز شيماء ينزل لشقتها عشان يجيب بقية الأطباق والحاجات. طلع الجوز، وطلعت أنا وراه بحجة إني أساعده في شيل الأغراض، بس وقفت ورا الباب المفتوح موارب عشان أسترق النظر.

كانت شيماء واقفة في نص الصالة، بتبص في أركان الشقة اللي شهدت على سنين سكوتها وقهرها. كان جوزها بيتكلم معاها بنشافة بيطلب منها تقوم تلم بقية أغراض العزومة عشان ينزلوها.

#الكاتب_رومانى_مكرم_

اتلفتت ليه شيماء. ما كانتش عينها خايفة زي ما الكل اتعود، كان فيها نظرة تانية خالص.. نظرة حد جاب آخره وخلاص ما بقاش فارق معاه حاجة. بلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت واطي بس هز الشقة كلها:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *