بيت العيله 1

صرخت حماتي: “أنتِ بتعملي إيه يا بت أنتِ؟ أنتِ بتلمي هدومك من غير إذني؟ فاكرة البيت ده وكر ماليش فيه كلمة؟”

التفتت إليها شيماء وهي تمسك الحقيبة وتغلق سحابها بصوت ناعم، وقالت: “أنا ماشية يا حاجة. ومش راجعة تاني. لو أحمد ما طلقنيش بالذوق، أنا هرفع دعوى خلع. القانون والششرع يدوني حقي من الظلم ده.”

وقعت كلمة “خلع” كالصاعقة على مسامع الجميع. في بيتنا الكبير وفي حينا الشعبي، كانت كلمة “خلع” تُعتبر فضيحة تجر الذل والحديث بين الأهالي. انتفض أحمد وجرى نحوها، مسك ذراعها بقوة وعنف حتى اعتصر لحمها، وقال وهو يصرخ في وجهها وعيناه محمرتان من الغضب: “تخلعيني أنا؟ أنتِ تتجرئي وتقولي الكلمة دي؟ قسماً بالله ما تخرجي من الباب ده إلا وأنتِ ميّتة!”

في تلك اللحظة بالذات، حدث ما لم يكن في الحسبان. شيماء لم تبكِ، لم تصرخ، ولم تستغث بأحد. بل نظرت إلى يده الممسكة بذراعها بقوة، ثم رفعت عينها ونظرت في عينيه مباشرة بثبات مرعب، وقالت بصوت منخفض وشديد الصرامة: “سيب إيدي يا أحمد.. سيب إيدي بدل ما أخلي الشارع كله يتفرج على اللي بيحصل هنا. أنت عارف إني ما بقيتش أخاف من حاجة، واللي ما بيبقاش خايف من الموت، ما بيخافش من تهديدك.”

تراخت يد أحمد تدريجياً، وكأن نبرة صوتها أفرغت شحنته الغاضبة وحولتها إلى دهشة ومخاوف مبهمة. تراجع خطوة إلى الخلف، بينما كانت أمه وأخته تقفان مبهوتتين من ردة فعل هذه الإنسانة التي كانت بالأمس تنزل رأسها لمسح الأرض تحت أقدامهن.

حملت شيماء حقيبتها البسيطة على كتفها، ونظرت حولها في أركان الشقة. كانت تلك الشقة هي السجن الذي قضت فيه أربع سنوات من عمرها، سنوات مملوءة بالصمت والدموع والكسرة. لم تكن هناك أدوات زينة غالية، ولا أثاث فاخر، فقط ذكريات قاسية كانت تحيط بها من كل جانب.

خرجت من باب الشقة بخطوات ثابته. كنا نحن الأربع، حماتي، وأنا، وسلفتي، وأخت زوجي، نقف في الممر نراقبها. مرّت من بيننا وكأننا أشباح لا وجود لنا. لم تنظر إلى واحدة منا، لم تسب، لم تلعن، ولم تبدِ أي مشاعر كراهية. كان التجاهل التام هو أبلغ إهانة وجهتها لنا جميعاً.

عندما وصلت إلى أول درجة من السلم، خرجت ضرتها من شقة حماتي وهي تحمل طفلها الرضيع، نادية التي كانت سبب الفرحة العارمة والعقيقة التي انقلبت إلى هذا المشهد. وقفت ضرتها بقميصها الستان الجديد وزينتها البهرجة، تنظر لشيماء بنظرة تجمع بين الشماتة والاندهاش.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *