بيت العيله 1

“أنا عايزه أطلق.. أنا تعبانه ومش قادره أتحمل أكتر من كده.”

تجمّد زوجها في مكانه لثوانٍ، واستدار لها ببطء شديد وهو مشدوه، وكأنه لم يستوعب الكلمات التي خرجت للتو من فم السيدة التي اعتادت أن تهز رأسها بالقبول وتصمت أمام أعتى الإهانات. تناثر الصمت في أرجاء الشقة الضيقة، صمت ثقيل يُسمع فيه صوت أنفاسه المتسارعة ونبضات قلبها التي كانت تخفق بقوة لكن دون خوف. كنت أقف خلف الباب الموارب، أتكئ بكتفي على الجدار البارد، أتنفس بحذر كي لا يظهر وجودي، وعيناي معلقتان بتلك اللحظة الفارقة.

قال زوجها بحدة وهو يضيّق عينيه، محاولاً استعادة فرض سيطرته التي اعتاد عليها: “أنتِ بتقولي إيه؟ طلاق إيه وزفت إيه اللي بتتكلمي عنه في ليلة زي دي؟ أنتِ اتجننتِ يا شيماء؟ بدل ما تباركي لأخويا وتفرحي بالولد، جاية تنكدي علينا وتفتحي موال جديد؟”

لم ترف لشيماء جفن، ولم تراجع خطوة واحدة إلى الخلف كما كانت تفعل دائماً. تقدمت خطوة واحدة نحو المنتصف، وقالت بصوت هادئ، هدوء ما قبل العاصفة، صوت يخلو تماماً من تلك الرعشة التي كانت تشوب كلامها في السابق: “أنا مش بنكد على حد، أنا بخلص نفسي. أربع سنين وأنا بقول بكرة هيحسوا، أربع سنين وأنا باكل اللقمة بدموعي وبشرب إهانتي على إنها مكتوبة عليا عشان يتيمة وماليش سند. بس لحد هنا وخلاص يا أحمد.. طاقتي خلصت، وقلبي مات.”

ضرب أحمد بيده على الطاولة القريبة فاهتزت المزهرية البلاستيكية الصغيرة، وقال بصوت مرتفع: “ولما تطلقي وتروحي فين؟ هتروحي لإخواتك اللي كل واحد فيهم قافل بابه على نفسه وما بيسألوش عليكِ إلا في المناسبات؟ ولا هتقعدي في الشارع؟ افتكري كويس إنك مالكيش حد يلمك، والبيت ده هو اللي ساترك!”

كانت هذه الكلمة تحديداً، “ساترك”، هي السهم الذي اعتاد الجميع رميها به كي تخضع، لكن هذه المرة، لم يصب السهم هدفه. ابتسمت شيماء ابتسامة باهتة مريرة، فيها كمية من الوجع تجعل الجبال تتفتت، وقالت: “الشارع أرحم من بيت كل زاوية فيه بتدبحني. الشارع ما فيهوش ناس بتفرح في كسرتي، ولا ناس برموا نعمة ربنا في الزبالة عشان بس يكسروا نفسي. الشارع فيه رحمة ربنا، لكن البيت ده ما فيهوش رحمة.”

مقالات ذات صلة

أول حاجة عملها جوزي 1
منذ 17 دقيقة

مراتي اختفت حكايات رومانى مكرم 2
منذ 33 دقيقة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *