غيرت
من جوه، سمعت ضحكة عالية كاركة.
كريم.
دي ما كانتش أول مرة يضحك عليا أو يتريق.
بس الليلة دي الضحكة علمت في قلبي قوي.
يمكن عشان كنت هلكانة.
يمكن عشان العلامة الحمرا بتاعة جوانتي الشغل لسه معلمة في إيدي وبتوجعني.
أو يمكن عشان لسه دافعة 2,870 جنيه في الصيدلية لراجل حتى ما هانش عليه يقوم يفتحلي الباب.
دخلت الجراج.
على بنش العدة القديم، كان فيه طبق.
رز أبيض سقعان.
وركة فرخة ناشفة من امبارح.
وشوكة بلاستيك.
جنب الطبق كان فيه جواب.
مكتوب عليه اسمي.
عرفته على طول.. اللوجو بتاع مكتب الأستاذ سامح المحامي والشهود اللي خلصوا ورق شقة التجمع والبيت.
فتحت الجواب تحت لمبة الجراج النيون البيضا.
وقلبي دقاته جابت أُخرها.
”إفادة بانتهاء إجراءات نقل الملكية وحق التصرف الكامل في العقار.”
كلام ناشف وقانوني.
بس معناه حاجة واحدة بس وبسيطة جداً:
البيت ده بجماله بعفشه بأرضه بقى ملكي أنا رسمي وقانوني.. ومن حقي أبیعه في أي لحظة.
من أربع سنين، محل قطع الغيار بتاع بابا في التوفيقية قفل وربس.
ديون للموردين.
كمبيالات.
وأقساط شقة متأخرة للبنك.
أمي قعدت تعيط وتلطم قدامي وتقول 28 سنة شقايا هيروح في الوباء والبنك هيرميني في الشارع.
كريم كان عاطل ومش لاقي شغلة.
وشيرين كانت لسه والدة الواد الثاني.
أنا الوحيدة اللي كنت شغالة وبقبض مرتب منتظم.
فعملت اللي متعودة أعمله من صغري.
شيلت شيلتهم.
سددت الديون المستعجلة.
ولما البنك رفض يعمل إعادة جدولة باسم بابا عشان سنه والديون، العملية كلها اتقلبت باسمي أنا.
حطيت تحويشة عمري.
شيلت القرض.
وكنت بدفع كل يوم واحد في الشهر قسط 31 ألف جنيه.
غير المية، النور، الغاز، النت، مصاريف البيت، وأدوية بابا وأمي.
ولما كريم اشتغل في شركة مبيعات واتفصل بعد 7 شهور، قعدت أدفع قسط عربيتك الجيليري سنة كاملة عشان ما تتسحبش منه.
أهلي كانوا دايماً يقولوا نفس الجملة:
“معلش يا ندى، فترة وتعدي.. ده وضع موقت.”
بس الموقت ده قعد 4 سنين.
وكل ما كنت بدفع أكتر، كل ما كنت بحس إني أغربة في البيت ده.
أمي بقت ترش معطر جو كل ما أدخل.
تقول هدومك ريحتها تقرف.
في عزومة عند خالاتي في العيد، قالت قدام الناس كلها:
ندى بتاخد مرتب كويس عشان ما فيش بني آدم طبيعي يستحمل يشتغل في وسط ريحة البلاعات والكيماويات دي طول اليوم إلا هي.
الكل ضحك.
وأنا ضحكت معاهم.
عشان وقتها كنت فاكرة إن لما أضحك على إهانتي، الوجع بيقل.
التليفون هز في إيدي.
رسالة من الأستاذة مارينا، المحامية.
كنا اتكلمنا من أسبوعين.
حكيتلها اللي بيحصل.
ما كانش قصدي أبيع البيت وقتها.. بجد.
كنت بس عايزة اعرف حقوقي إيه عشان لو حد ركبني الديون أكون فاهمة.
مارينا راجعت الأوراق، العقود، التحويلات، وإيصالات البنك.
وقالتلي كلمة نزلت عليا زي الصاعقة:
يا ندى.. أهلك بتعاملوا معاكي كأنك قاعدة عندهم ضيفة بالجميلة.. بينما بالقانون، هما اللي عايشين في بيتك وإنتي اللي سامحالهم!
الجملة دي كانت بتزن في دماغي.
الرسالة اللي جت بالليل كانت بتقول:
“المشتري لسه مصمم على عرض الكاش. ومحتاج رد أخير قبل يوم السبت الساعة 8 الصبح.. إنتي متأكدة إنك عايزة تكملي ونمضي العقد؟”
كان فيه رجل أعمال عايز الشراء من فترة.
ما شفتوش.
بس كنت عارفة إنه معروض مبلغ يكفي يسدد باقي القسط للبنك، ويفضل معايا مبلغ عمري ما حلمت أشوفه في حسابي لوحدي.
بصيت للطبق الساقع.
بصيت للباب الحديد المقفول اللي بين الجراج والمطبخ.
سمعت كريم بيضحك تاني.
وبعدها سمعت صوت أمي بتقول له:

