غيرت
أهلاً يا بابا.
أنا.. ما كنتش عايز أضايقك أو أعطلك عن شغلك.
وقفت وساكتة.
طول الأسابيع اللي فاتت كنت بتخيل اللحظة دي.. ساعات كنت بتخيل إني بهزأه، وساعات بتخيل إني بعدد له كل اللي عمله فيا.
بس لما شفته قدامي، ما حسيتش غير بفضى وهدوء.
أيوة يا بابا.. خير؟
عينه دمعت وهو باصص للأرض:
أنا كان المفروض أفتحلك الباب الليلة دي يا بنتي..
أيوة يا بابا.. كان المفروض.
وكان المفروض أقف في وش أمك وأدافع عنك من زمان..
أيوة.
إنتي عارفة أمك.. طبعها صعب ومبتفكرش..
بصيت له بحزم:
بلاش تعمل كده يا بابا.
فرك إيديه:
أعمل إيه؟
بلاش ترمي قراراتك وسكوتك على طبع أمي.. إنت كنت قاعد على الكنبة، وسامع خبطي، وشايفني من الشباك.
نزل رأسه في الأرض:
وما قمتش..
أيوة.. ما قمتش.
سكتنا شوية.. بعدها قال بصوت خافت:
ينفع أبدأ معاكي من جديد يا ندى؟
بصيت للراجل اللي كنت فاكراه دايماً حجتي عشان أتحمل وأدفع: “بابا محتاج دوا الضغط”، “بابا محتاج مصاريف”، “بابا حساس ومكسور”..
كنت بحبه.. بس حبك لحد ما معناهوش إنك تدفع تمن كل غلطة بيعملها في حياته.
ينفع يا بابا.. بس بشرط واحد.
رفع رأسه بسرعة:
شرط إيه؟ أنا موافق على أي حاجة!
إني عمري ما هشتري مكاني في العيلة دي بفلوسي تاني.
بلع ريقه وهز رأسه بقلة حيلة:
أنا مش عايز منك ولا مليم يا بنتي..
تمام.. يبقى كده فيه أمل نبدأ صح.
ما حضنتوش وقتها.. لسه بدري على الخضن.
بس ما مشيتش وسيبته برضه.
قعدنا اتكلمنا بتاع 20 دقيقة في الشارع جنب المصنع.. كلام قليل، بس لأول مرة كان كلام صافي ومن القلب.
أمي أخدت وقت أطول بكثير.. عمرها ما اعتذرت اعتذار صريح وواضح.
كانت دايماً تقولي: “لو كنت زعلتك في حاجة..” أو “كلنا بنغلط..”
وأنا بطلت أجادل معاها.. اتعلمت إن فيه ناس تفضل تخسر بيوت وحياة، ولا إنها تعترف ولو لمرة واحدة إنها كانت غلطانة.
كريم اضطر يشتغل شغلانتين.. مش عشان صحي ضميره، لأ.. عشان بقى وراه إيجار ومصاريف لازم تدفع كل يوم أول الشهر.
وشيرين نزلت اشتغلت في حضانة نص يوم.
وعياله لسه عايشين ومستورين تحت سقف.. بس المرة دي، أبوهوم هو اللي بيدفع تمن السقف ده.
والدنيا ما وقفتش.. والشمس طلعت عادي.
بعد كام شهر من بيع البيت، روحت شقتي بالليل بعد شفت طويل.
استحميت، علقت الهدوم، سخنت أكلي، وقعدت على الترابيزة الصغيرة.
كانت المطر بدأت تمطر بره في الشارع.
بصيت على ميدالية المفاتيح اللي جنية الطبق..


