شاف طليقته

بالمهندسين والمستثمرين ورجال الصحافة والإعلام. الكل كان مستني دخول عاصم المنشاوي المنطلق بقوة عشان ياخد الصفقة التاريخية دي ويثبت ملكه. المنافس الأجنبي والتحالف التاني كانوا قاعدين متوترين وحاطين إيديهم على قلوبهم لأنهم عارفين إن عرض عاصم مستحيل منافسته. وفجأة، وقبل بداية الاجتماع وإعلان النتيجة بساعة واحدة، انتشر خبر كالصاعقة وهز أركان المبنى والسوق كله ونزل على شاشات الأخبار الاقتصادية عاجل رجل الأعمال عاصم المنشاوي، ملك المقاولات، يعلن تنازله الرسمي والكامل وغير المشروط عن الصفقة الكبرى وانسحابه من التحالف العقاري لأسباب شخصية وخاصة جداً!. الذهول حل على الكل، الصحفيين بدأوا يجروا ويتصلوا، والمنافسين مش مصدقين نفسهم ومستغربين إزاي الملك يتنازل عن عرشه بالبساطة دي ويسيب صفقة بمليارات تروح لغيره من غير قتال أو منافسة.
في نفس اللحظة، كان مندوب من مكتب عاصم واقف قدام باب شقة فريدة البسيط، ومعاه ظرف حوا فيه صورة من مستند التنازل الرسمي الموثق والممضي ومختوم بختم الدولة، مع نسخة من الجرايد الرسمية اللي نزلت فيها الأخبار. فريدة فتحت الباب واستلمت الظرف، ولما فتحت الورق وقرأت الكلام، دموعها نزلت من غير ما تحس وصډمتها كانت حقيقية. ماكنتش متخيلة ولا واحد في المية إن عاصم المنشاوي، الراجل اللي بيعشق الفلوس والنفوذ أكتر من روحه، هيتخلى فعلاً عن صفقة عمره واللقب اللي عاش يبنيه طوب فوق طوبة عشان خاطر شروطها وعشان يشوف ولاده. عرفت في اللحظة دي إن عاصم اتغير بجد، وإن صدمة الأبوة والندم عملت معجزة وكسرت الجبروت اللي كان جواه. شالت الورق ودخلت أوضة الأولاد، بصت لآدم ويوسف وهما بيلعبوا ببراءة وقالت لهم بصوت مليان شجن خلاص يا حبايب قلبي… حقكم رجع، وأبوكم دفع تمن غلطته غالي قوي، وباع الدنيا كلها عشانكم.
الفصل الثامن اللقاء الأول والدموع الدافئة
بعد مرور أربعة وعشرين ساعة على التنازل التاريخي اللي هز البلد، رن تليفون عاصم وكان المتصل فريدة. قالت له بنبرة هادية وخالية من الغل القديم عاصم… تعالي اليوم الساعة خمسة المغرب في حديقة الطفل العامة البسيطة اللي في الحي بتاعنا، هتشوف الأولاد وهنقعد سوا نصلح ورقهم. عاصم ما صدقش نفسه، لبس هدوم بسيطة جداً وعادية، وما ركبش عربته الفارهة؛ أخد عربية تاكسي عادية وراح للمكان عشان ما يلفتش النظر ولا يضايق فريدة وعياله بمظاهر الغنى والنفوذ اللي بيكرهوها. دخل الحديقة العامة البسيطة وعيونه بتدور في كل مكان زي المچنون، لحد ما شافهم قاعدين على دكة خشبية تحت شجرة كبيرة؛ فريدة ولابسة فستان هادي، وجنبها التوأم آدم ويوسف بيلعبوا ب طائرات ورقية صغيرة وبسيطة.
قرب عاصم منهم وخطواته بترتعش، فريدة شافته وشاورت للولاد وقالت لهم بصوت حنون آدم… يوسف… تعالوا يا حبايب قلبي، ده عاصم… الأب اللي قُلت لكم إنه كان مسافر في شغل بعيد وطويل جداً، ودلوقتي رجع عشان يفضل معاكم ومعي على طول ومش هيسافر تاني. الأولاد وقفوا وبصوا له بعيونهم الواسعة والجميلة، نفس الملامح والعيون والابتسامة اللي شافها في المخبز. عاصم ما قدرش يتمالك نفسه، نزل على ركبه على الأرض والتراب، وفتح دراعاته والدموع نازلة من عينيه زي السيول. يوسف الصغير قرب منه بخطوات بطيئة وحط إيده الصغيرة على وش عاصم ومسح دموعه وقال إنت بابا؟ إنت اللي كنت في الطيارة وبتجيب لنا النجوم والكواكب؟. عاصم حضنهم هما الاتنين بقوة وعڼف وډفن وشه في كتافهم الصغيرة وهو بيبكي وينتحب بصوت مسموع هز قلوب الناس اللي في الحديقة، وكان بيشم ريحتهم





