شاف طليقته

وبيقول سامحوني يا ولادي… أنا أسف يا حبايب قلبي، أنا عمري كله فداكم، مش هسيبكم تاني أبداً، أنا جيت عشان أفضل تحت رجليكم. فريدة كانت واقفة بتبص للمشهد ودموعها نازلة بغزارة، وحست إن الۏجع والمرار اللي عاشت فيه خمس سنين لوحدها بدأ يدوب ويختفي قدام صدق دموعه وندمه وتضحيته الكبيرة.
الفصل التاسع بناء البيت والبداية الجديدة من الصفر
مرت الأسابيع والشهور، وعاصم بدأ يغير حياته بالكامل وبشكل جذري ومتكامل. قفل ورق القضايا وورق الأولاد في المحاكم والسجلات الرسمية، وبقى اسمهم رسمياً آدم عاصم المنشاوي ويوسف عاصم المنشاوي، واحتفلوا بالموضوع ده في جو عائلي دافي وبسيط جداً من غير أي مظاهر صخب أو صحافة. عاصم ما رجعش لغروره القديم في الشغل؛ بالرغم من إنه خسر الصفقة الكبرى وضاعت منه مليارات واسمه اهتز شوية في سوق الحيتان الكبار، إلا إنه بدأ يركز في مشاريع من نوع تاني خالص؛ مشاريع بناء مستشفيات أطفال مجانية، وتطوير مدارس حكومية متهالكة في الأحياء الفقيرة والشعبية، وبناء مجمعات سكنية مخصصة للشباب بأسعار بسيطة، وبقى يسمي المشاريع دي مشاريع آدم ويوسف للخير.
فريدة وافقت بعد فترة من الوقت والالحاح الصادق والحب والمراعاة، إنها ترجع له وتتجوزوا من جديد، بس بشرط إنهم ما يعيشوش في القصر الكبير الفاخر والقديم اللي بيفكرها بالأيام السوداء والوحدة والقسۏة؛ طلبوا مهندسين وبنوا بيت حديقة جميل ومتوسط الحجم ودافي ومحاط بالأشجار والزهور، وعاشوا فيه سوا كعيلة حقيقية ومترابطة. عاصم كان بيصحي الصبح بدري بنفسه عشان يحضر الفطار للتوأم، ويوصلهم للمدرسة البسيطة في عربية عائلية عادية، ويقعد مع يوسف الصغير بالليل يقرأ معاه كتب الكواكب والفضاء الخارجي ويرسم معاه النجوم، وياخد آدم يشتري له كل لفائف القرفة والحلويات اللي كان بيتمناها ويشتهيها زمان في المخبز الشعبي القديم ويوزع منها على أطفال الحي كلهم.
الفصل العاشر حصاد الټضحية وملك القلوب الحقيقي
بعد مرور كام سنة، كبر التوأم آدم ويوسف وبقوا في المدرسة الابتدائية، وكانوا متميزين جداً ومتفوقين، ومتربيين على الأخلاق والكرامة وعزة النفس اللي زرعتها فيهم أمهم فريدة، وعلى العطاء والحب اللي اتعلمه أبوهم عاصم بعد درس العمر القاسې. وفي يوم من الأيام، كان فيه حفل تكريم كبير ورسمي لرجال الأعمال والمستثمرين اللي ساهموا في تطوير المجتمع وبناء البنية التحتية للمناطق العشوائية والفقيرة في البلد. عاصم كان معزوم في الحفل ده كضيف شرف رئيسي ومكرم أول. وقف عاصم على المنصة الكبرى ولابس بدلة أنيقة بس هادية، وبص للقاعة؛ لقى فريدة قاعدة في الصف الأول وجميلة ومتألقة ووشها مليان رضا وسعادة، وجنبها التوأم آدم ويوسف وهما بيبصوا له بفخر وحب وبيدقوا له بإيديهم الصغيرة بكل قوة.
مسك عاصم الميكروفون وبدأ يتكلم وصوته مليان ثقة وحكمة وهدوء الناس زمان والمجتمع كانوا بيسموني ملك المقاولات، وكانوا فاكرين إن نجاح الراجل بيتقاس بحجم الصفقات اللي بيقفلها والمليارات اللي بيجمعها في حساباته والقصور والشركات. لكن أنا أحب أقولكم اليوم ومن واقع تجربتي وندمي وعمري اللي فات، إن كل الملايين والصفقات دي متساويش مليم واحد، ومتساويش لحظة كبرياء أو ضحكة صافية من طفل من دمك ولحمك وهو داخل عليك البيت وبيقولك يا بابا. أنا اليوم مش ملك المقاولات ولا ملك الفلوس؛ أنا اليوم ملك القلوب بفضل زوجتي العظيمة فريدة اللي علمتني الإنسانية والكرامة، وبفضل ولادي آدم ويوسف اللي أنقذوا روحي وعقلي من الجشع والأنانية. تضحيتي بصفقة المليارات زمان كانت أعظم وأذكى صلب وإمضاء عملته في حياتي
كلها، لأن الخسارة المادية دي هي اللي كسبتني عيلتي وحياتي ونفسي اللي كانت ضايعة. القاعة كلها وقفت وسقفت بحرارة ودموع، وعاصم نزل من على المنصة وجري على فريدة والتوأم واضنهم بقوة، وهو عارف ومقتنع من جوا قلبه إن الحق والخير والدم دايماً بيكسبوا في النهاية، وإن الملك الحقيقي مش اللي بيملك الأبراج والمولات، لكن اللي بيملك حب عيلته ورضا ربنا وراحة الضمير.




