روايه للكاتب محمد نور

تطلع طارق إليّ فوراً، يترقب ردة فعلي.
لو كان هذا في السنوات الخالية، لكانت هذه الحادثة كفيلة بإشعال النيران. لصرختُ: “لماذا هي بالذات؟”، ولبكيتُ وتخاصمنا، ولانتهى بي المطاف أعتذر له عن غيرتي!
أما هذه المرة، فقد قلبتُ صفحة الورقة ببرود تام.
— “سارة”.
— نعم؟
— ما سمعتِه لا يعني شيئاً.
— حسناً.
— “وفاء” أصيبت أثناء الواجب.
— تفهمتُ ذلك.
اشتدت ملامح وجهه قسوة:
— أهذا كل ما لديكِ؟
نظرتُ إليه بدهشة:
— وماذا تريدني أن أقول أكثر؟
فتح طارق فمه ليجيب، لكن ممرضة قاطعتنا بالدخول:
— سيادة العقيد، النقيب “وفاء” تسأل عنك، تقول إن ألمها اشتد.
وللمرة الأولى، لم يهرول طارق.
— دعوا الطبيب المناوب يفحصها.
تفاجأت الممرضة:
— لكنها طلبتك بالاسم…
— قلتُ استدعوا لها طبيباً!
بعد خروجها، جلس طارق على طرف السرير وقال:
— هل كل هذا بسبب ما حدث لـ “زيد”؟
شعرتُ ببرودة تسري في أوصالي. لم ينطق باسم طفلنا منذ يوم جنازته.
خفض طارق صوته:
— أعلم أن “وفاء” ارتكبت خطأً في ذلك اليوم، وقد نالت جزاءها العسكري.
“خطأ”… هكذا يصف القرار الذي أودى بحياة طفلنا ذي السنوات الست!
حاول طارق الإمساك بيدي:
— يمكننا أن نبدأ من جديد، ما زلنا في مقتبل العمر، ويمكننا أن ننجب طفلاً آخر.
سحبتُ يدي ببطء.
حينها فقط أدركتُ أن بعض البشر يظنون أن الطفل الراحل مجرد شيء مكسور يمكن استبداله بآخر!
في تلك اللحظة، ظهرت عكازتان عند الباب.
كانت “وفاء”.
باهتة الوجه، واهية الجسد، والدموع على وجنتيها.
— “سارة”…
حاولت التقدم بضع خطوات فسقطت.
وبدافع عاطفي بحت، قفز طارق من مكانه والتقطها قبل أن تمس الأرض.
تعلقت “وفاء” بعنقه وهي تبكي:
— أردتُ فقط أن أعتذر منها… لم أكن أتوقع أن ينتهي الأمر بـ “زيد” بين أيدي أولئك الأشرار…
نظرت إليّ وهي بين ذراعيه.
ربما كان طارق ينتظر مني نوبة غضب، لكنني اكتفيتُ بإغلاق الكتاب الذي بيدي وقلتُ بجمود:
— “طارق”، خذها إلى غرفتها.
تردد لحظة، ثم حملها وغادر وهو يعدني بالعودة خلال عشر دقائق.
ولم يعد.
في تمام الساعة 11:47 ليلاً، وردني اتصال مشفر.
— الرائد “سارة”، قيادة الاستخبارات تنتظر منكِ الرد النهائي بشأن “عملية السراب”.
اعتدلتُ في جلستي:
— أنا موافقة.
— عليكِ إدراك الشروط جيداً: هوية جديدة، موقع سري للغاية، اغتراب لمدة عشر سنوات، وانقطاع تام عن أقربائك.





