روايه للكاتب محمد نور

صمته كان الإجابة. اقترب من السرير وقال:
— “سارة”، أنتِ تمكثين في الحزن، لستِ في كامل قواكِ العقلية لاتخاذ قرار.
تلك الجملة نجحت فيما فشل فيه غيابه وإهماله وحتى دموع “وفاء” الزائفة… أثارت غضبي، لكنه كان غضباً بارداً لا صراخ فيه ولا ارتجاف:
— طفلي مات منذ أشهر يا طارق، ومنذ ذلك الحين كان لدي متسع من الوقت لأفكر بمنتهى الوضوح.
— طفلنا! — قالها بحدة.
— عفواً؟
— زيد كان طفلنا نحن الاثنين!
— إذن كان عليك أن تتصرف كأب له!
كانت الصدمة مباشرة. تراجع إلى الخلف. لشهور تجنبتُ قولها، لكن لم يعد هناك داعٍ لحمايته.
ضغط على أسنانه:
— لا تبدئي من جديد!
— أنا لا أبدأ شيئاً، أنا أنهيه.
— وفاء لم تكن تعلم ما سيحدث.
— وفاء عصت أمراً مباشراً!
— ظنت أنها تستطيع السيطرة على الموقف!
— وأنت سمحتَ لها بتولي حماية زيد رغم أنني توسلتُ إليك ألا تفعل!
أحني رأسه جانباً. هذا هو الجزء الذي لم يجرؤ أحدنا على فتحه.
قبل الحادث بأشهر، كان يفترض أن أشارك في تدريب طوارئ، وكان لدى طارق اجتماع رفيع المستوى. اعتذرتُ لأبقى مع “زيد” بعد مرض مربيته. ظهرت “وفاء” وقالت: “أستطيع العناية به”. رفضتُ بشدة، لكن طارق تدخل وقال: “سارة، كفي عن معاملتها كأنها غير كفؤة، أنتِ تغارين فقط!”.
كلمة “تغارين” كانت حجته الجاهزة دائماً لتهميش مخاوف. أخذ طفلي معها، وبعد ساعتين قررت هي الخروج عن خط السير المحدد للمرور بمقهى. هناك اعترضت السيارة مجموعة ملاحقة لطارق… نجت وفاء، وأُخذ زيد.
بعد أربع وثلاثين ساعة، وجدوا سترة طفلي الحمراء في مستودع مهجور. كان طارق أول من دخل… سمعتُ صمته عبر اللاسلكي ولم أكن بحاجة لشرح. زيد لم يعد أبداً.
عُقبت وفاء بالإيقاف أسبوعين فقط، لأن طارق أصر على عدم كفاية الأدلة لفرض عقوبة أشد. حينها أدركتُ أن زواجي انتهى؛ ليس عندما أخطأت وفاء، بل عندما قرر طارق حمايتها بعد ذلك.
وقف أمامي وقال:
— قلتُ لكِ إنني آسف!
— أنت قلت إنها مأساة، وقلت إن وفاء مكسورة، وقلت إن البحث عن الجناة لن يعيد زيد… لكنك لم تقل يوماً إنني كنتُ على حق حين رجوتك ألا تتركه معها!
امتقع وجهه:
— ماذا تريدين أن أفعل؟ أن أعيش وأنا ألوم نفسي كل يوم؟
— لا، لم أعد أريد منك أي شيء على الإطلاق.
لم يغادر طارق المستشفى تلك الليلة. جلس على الكرسي المجاور لسريري حتى الصباح.





